الأستاذ شوقي الطبيب Me Chawki Tabib

دور الهيئة في النهوض بالمهنة وحمايتها

الاثنين 23 نيسان (أبريل) 2007 بقلم العميد عبد الستار بن موسى ، عميد المحامين التونسيين

المحاماة : رسالة سامية وفن رفيع. هي رسالة تحملها الإنسان منذ القدم للدفاع عن أخيه الإنسان ضد الظلم والطغيان وهي فن رفيع يستوجب الكفاءة العالية والأخلاق الرفيعة والجرأة الدائمة دفاعا عن الحق والحرية. هي مهنة عشقها الرؤساء والزعماء والكتاب العظماء أمثال لويس الثاني عشر الذي قال "لو لم أكن ملكا لفرنسا لوددت أن أكون محاميا" وفولتير وغيره. لقد كان الكاتب المشهور والسياسي المعروف الأستاذ مصطفى كامل يتمنى دخول مدرسة الحقوق بمصر لأنها حسب إعتقاده مدرسة الكتابة والخطابة ومعرفة حقوق الأفراد والأمم وفعلا إلتحق بمدرسة الحقوق وبعد أن تخرج منها أبرق إلى شقيقه مبتهجا وقائلا "واليوم أحمد الله كثيرا وأشكره شكرا جزيلا على فك قيد أمري والمن علي بإطلاقي في ميدان الحرية فقد أصبحت حاملا لشهادة الحقوق وعزمت على الانضمام إلى سلك رجال المحاماة لأدافع عن حقوق الأفراد ولو أتيح لي الخير وبلغت ما أتمنى لكنت المدافع عن حقوق الأمة بأسرها أمام العالم" وقد أتيح له ذلك فعلا فأصبح محاميا عن الأفراد ثم مدافعا عن القضية الوطنية المصرية. المحامي شريك للقضاء في إقامة العدل، إنه يقوم بمهمة نبيلة لا يستطيع المواطن بدونها الدفاع عن حقوقه وتحرير طلباته القانونية، هذا ما أكدت عليه المحكمة الفيدرالية السويسرية في إحدى قراراتها. إن للمحاماة تاريخ طويل في الكفاح ضد الإستعمار والإستبداد وضد الجهل والتخلف، وللمحامين قسط وافر في ضمان حقوق الإنسان والحريات وفي بناء الأنظمة والمؤسسات (مثل تونس ومصر وجنوب إفريقيا). أما في الولايات المتحدة الأمريكية فإن المحامين هم الذين صنعوا تاريخها إذ ساهموا في كتابة وثيقة الإستقلال وفي تعديلاتها اللاحقة، وهم الذين فرضوا إستقلال القضاء وتسمية القضاة مدى الحياة وساهموا بقسط وافر في تحرير مشاريع القوانين الإجتماعية والإقتصادية والسياسية للولايات المتحدة، وهم الذين حرروا ميثاق الأمم المتحدة و23 بروتوكولا حول حقوق الإنسان وباعتبارها رسالة وفن فإن مهنة المحاماة في حاجة إلى تنظيم محكم صلب هيئة مهنية مستقلة تسهر على النهوض بها وحمايتها من كل التجاوزات والإنتهاكات إذ في غياب هيئة مهنية يصبح المحامون غير آمنين وغير مطمئنين وغير منظمين صلب هيكل مستقل يوحد كلمتهم ويدافع عنهم ويحميهم من أجل إعلاء كلمة الحق بعيدا عن موازين القوى سياسية كانت أم إقتصادية أم إجتماعية، كما كان الأمر في كولمبيا حيث كان المحامون خاضعين للمجلس الأعلى للقضاء ويعيشون ظروفا قاسية، كما أن المحامين في رواندا حرموا لعدة عقود من تكوين هيئة وطنية وذلك بفعل الحرب الأهلية. لقد أصبحت مهنة المحاماة في جل بلدان العالم منظمة في إطار هيئات مهنية صرفة، إلا أن وجود الهيئات ليس هدفا في حد ذاته بل يجب عل تلك الهيئات أن تقوم بواجبها المتمثل في تأمين الحماية الشخصية والجماعية للمحامين وفي الرفع من مستوى الخدمات القانونية وفي مقاومة التسيب والسلوكيات الخاطئة. الخطر كل الخطر يكمن في عدم قيام الهياكل المهنية بواجباتها تجاه المحامين وتجاه المتقاضين، إن الهيئة في بلادنا سعت منذ عقود إلى النهوض بالمهنة وحمايتها، ورغم المجهودات المبذولة من قبل المشرفين على الهياكل ورغم عزيمتهم الصادقة فإن الهيئة لم تفلح إلى حد الآن في تحقيق المنشود وإصلاح مهنة المحاماة. إن الموضوعية تفرض علينا كشف الواقع بحلوه ومره، فالأمم الحية هي التي تظهر العيوب لا تخفيها، حتى إذا أظهرتها سارعت إلى البحث عن العلاج وشمرت سواعدها للإصلاح، أما إذا أخفتها فإن العلل تستفحل ويستحيل عندئذ العلاج والإصلاح. إن الموضوعية تفرض علينا الجواب عن سؤالين محوريين : لماذا عجزت الهيئة عن النهوض بالمهنة وحمايتها؟ وكيف السبيل إلى النهوض والحماية؟.

المحور الأول : قصور الهيئة في حماية المهنة والنهوض بها

وأنا أقرأ كتاب المحامي المصري الشهير الأستاذ محمد شوكت التوني بعنوان "المحاماة فن رفيع" الذي ألفه في نهاية الخمسينات، أقول ما أشبه اليوم بالبارحة وما بالعهد من قدم، إذ لاحظ في باب إصلاح المحاماة بأنه وجد المحامين في مصر قد كثروا وكثر الشر بينهم نتيجة لكثرة العدد وضيق الرزق، وقد إرتكب بعضهم جرائم لا تعتبر فردية ولكنها تعتبر ظواهر إجتماعية تشير إلى إستفحال أمراض يجب الفحص عنها وتشخيصها ثم مداواتها بقول كاتبنا بأنه وجد النقابة الأصيلة القديمة بل أقدم نقابة عربية قد بلغ بها الإهمال حد العجز العجز عن إصلاح حالة المحاماة والمحامين، فكفر بها أبناؤها والحال أنه كان عليهم أن يساهموا في الإصلاح ويكافحوا من أجل الإنقاذ، كما كفر الناس والمجتمع بأكمله بمهنة المحاماة، واختتم كاتبنا قوله كأنه ألف كتابا في رثاء المحاماة، لقد تتالت مجالس الهيئات ومجالس الفروع في بلادنا ودار لقمان على حالها، ووضعية المهنة تتأزم يوما بعد يوم والهياكل عاجزة عن إصلاحها. إن لذلك القصور أسباب موضوعية وهي الأساسية وأسباب ذاتية وهي الثانوية.

* الباب الأول : في الأسباب الموضوعية *

إنه بمجرد مقارنة لمهنة المحاماة بالمهن الأخرى، نجد أن المحيط خذلها فأصابها الإهمال والوهن من ضعف في التكوين ووفرة في العدد، إلى مجال محدود ومنافسة بدون حد إلى ظروف عمل كلها مشاكل وعقد، إلى تدني المكانة وقلة ذات اليد.

الجزء الأول : ضعف في التكوين ووفرة في العدد :

تقول الأستاذة المبرزة في الحقوق ANNE LAUDE المديرة البيداغوجية لمعهد المحاماة بباريس أن النهوض بمهنة المحاماة يمر حتما بالنهوض بالتكوين لذلك إهتمت الأغلبية المطلقة للدول الأروبية وكل الدول المنظورة بتكوين المحامين علميا وبيداغوجيا وتطبيقيا وأخلاقيا وأنشأت للغرض معاهد محاماة مختصة، وفي هذا الإطار يعتبر معهد المحاماة بالكيبك من بين المعاهد الرائدة، إلا أن الدول العربية شأنها شأن جل الدول النامية، بقدر ما اهتمت بتكوين القضاة وأحدثت لذلك معاهد نموذجية مختصة فإنها لم تعتن بتكوين المحامين ورسكلتهم، والحال أن المحاماة بما توفره من خدمات للمتقاضين أفرادا كانوا أو مؤسسات تمثل على الأقل نصف المرفق العام للعدالة.

إن معهد القضاء بتونس يعتبر نموذجا للتكوين في جميع المجالات ويؤمن دروسا نظرية وتطبيقية من أعلى طراز كما يجري القضاة صلبه تربصات بالبنوك والمؤسسات والشركات ويشاركون في الملتقيات والمؤتمرات ويساهمون في تسيير الجلسات التطبيقية وبالتالي فإنه يضمن الكفاءة الصناعية اللازمة للقضاة، نفس الملاحظة نسوقها بالنسبة للعدول المنفذين وعدول الإشهاد الذين يتلقون بالمعهد المذكور تكوينا منهجيا سليما، أما الخبراء المحاسبون أو المستشارون الجبائيون فلهم مؤسساتهم التعليمية التي تؤهلهم وتعدهم لممارسة مهنتهم على أحسن ما يرام، الفئة الوحيدة التي لا تلقى تكوينا جديا هي فئة المحامين فالمتعارف عليه أن نظام التعليم العام وإلى حد الإجازة يعتبر معلوماتيا لا يخلق مهارات أو كفاءات وحتى الدروس المعمقة فلم تعد فعلا معمقة ونوعية بل أصبحت مختصرة كذلك الأمر بالنسبة لدروس شهادة الكفاءة لمهنة المحاماة فهي تعتبر شكلية وغير إلزامية. لقد أحدث هذا التمشي الذي إنتهجته بلادنا تمايزا بين المهن فأصبح جلها كالطب والصيدلة والقضاء وعدالة التنفيذ متميزا على مهنة المحاماة إذ يتلقى المترشحون لتلك المهن تكوينا جديا، إنتقائيا وصارما، ويقع الدخول إليها بالقسطاس، أما مهنة المحاماة فقد أصبحت المشغل الرئيسي إن لم يكن الوحيد لخريجي كليات الحقوق مما أدى إلى تضخم عدد الوافدين وصير المهنة بوابة مفتوحة على مصراعيها للقادمين من كل صوب وحدب من داخل البلاد وخارجها وملجأ للعاطلين عن العمل الذين يؤكد جلهم أثناء زيارات المجاملة بأنهم يلجؤون إلى المهنة مكرهين لا مختارين يأتون ليس حبا في المهنة وإنما هروبا من البطالة. لقد مر زمان كنا ندخل إلى المهنة كما قال المحامي الفرنسي الشهير فأكد J. ISORNI حبا في المحاماة لمساهمتها في تحقيق العدالة ولأنها حصن الحريات ومرفق للدفاع عن الضعفاء والمظلومين.

إن عدد الوافدين الجدد على مهنة المحاماة كان طيلة عدة سنوات وإلى بداية التسعينات لا يتجاوز المائة إلا أنه قفز بين عشية وضحاها ليرتفع بمعدل فاق 300% ، وإن ظاهرة الإغراق تلك مردها أساسا الأفواج الكبيرة المتخرجة من الكليات التونسية والأجنبية والمتحصلة على شهادة الدراسات المعمقة في القانون.

إن العدالة لا يمكن لها أن تحلق في سماء الحق والحرية إذا كانت أحد أجنحتها مكسرة أو معوقة والحال أن الفصل التاسع من المبادئ الأساسية حول المحامين التي إعتمدها سنة 1990 المؤتمر الثامن للأمم المتحدة حول الوقاية من الجريمة ومعاملة المجرمين قد نص بأنه على الحكومات والرابطات المهنية للمحامين والمؤسسات التعليمية توفير تعليم وتدريب ملائمين للمحامين وتوعيتهم إلى المثل والواجبات الأخلاقية وإلى حقوق الإنسان والحريات الأساسية.

الجزء الثاني : مجال محدود ومنافسة غير محدودة :

لما كانت المحاماة تؤدي دورا فعالا في حل المشاكل الاجتماعية والاقتصادية وبالتالي في نمو الاقتصاد وتمثل عنصر توازن بين المواطن والقضاء، فقد أولتها جل دول العالم خاصة المتقدم العناية الكافية وسعت إلى التنويع من مجال تدخل المحامي وتوسيعه، فالمحامي لم يعد في تلك الدول قابعا في دوره التقليدي المتمثل في المشورة والدفاع أمام المحاكم بل أصبح بالإضافة إلى إسداء المشورة والنيابة والترافع أمام المحاكم يقوم بمهام الصلح والتحكيم والإختبارات والدراسات القانونية والمراقبة القانونية والوساطة القانونية والتمثيل اليومي للمواطن أمام الإدارات والمؤسسات والشركات كما أن العديد من الدول العربية كمصر والأردن وسوريا ولبنان أولت عناية فائقة بمجال تدخل المحامي وسعت إلى توسيعه وحمايته، فالمادة 63 من قانون أصول المحاكمات المدنية الأردني ينص على أن المحكمة لا تنعقد أساسا إلا بوجود محام، كما أنه يتم إلزام الشركات التجارية أن تنتدب محام مستشار أسوة بمراقبي الحسابات مع تحديد العدد الأقصى للشركات التي ينوبها كل محام. كما يمكن المواطن من إنتداب محام للحضور معه عند إستنطاقه من قبل باحث البداية ويكاد ينفرد المحامي بتحرير العقود وإشهارها، كما أن الإستشارة القانونية أصبحت حكرا على المحامين دون سواهم كفرنسا منذ 1990، علما بأن محكمة التعقيب الفرنسية في إحدى قراراتها قد أقرت مبدأ تخصيص المحامي بكل عمل ذي طابع قانوني في قضية رفعتها إحدى هيئات المحامين بفرنسا ضد الخبراء المحاسبين.

إن هذا التوجه يندرج منطقيا في إطار الواجبات التي فرضها الفصل الثاني من المبادئ الأساسية بشأن دور المحامين على الحكومات بضرورة ضمان إجراءات فعالة وآليات قادرة على الإستجابة تتيح الإستعانة بالمحامين بصورة فعالة وعلى قدم المساواة لجميع الأشخاص.

أما مجال تدخل المحامي ببلادنا فهو ضيق من أساسه وماانفك يتآكل يوما بعد يوم فإنابة المحامي غير وجوبية أمام محاكم النواحي التي أصبحت منذ عقود تنظر في القضايا التي يفوق مقدارها السبعة آلاف دينار وبالتاي في جل القضايا المدنية المنشورة أمام القضاء حسب الإحصائيات الرسمية مما يجعل المحامي غير وجوبي في جل القضايا المدنية، الشيء الذي يحدث خللا فادحا في سير العمل القضائي وعدم مساواة بين من يستعين بمحام ومن يدافع عن نفسه، فالدفع بسقوط الحق أو بسقوط آجال القيام...كلها دفوعات لا تهم النظام العام، وبالتالي لا يمكن للمحكمة أن تثيرها من تلقاء نفسها، كما أن الشروط القانونية للقيام ببعض الدعاوي لا يفقهها المواطن. كما أن المحامي غير وجوبي أمام المحكمة العقارية حيث يشتد النزاع في مسائل على غاية من القانونية كتأويل العقود واكتساب الحقوق بالحوز ومصادر إنجرار الملكية، علما بأن المحكمة العقارية قضت على النزاعات الإستحقاقية أمام المحاكم الإبتدائية التي تستوجب تكليف محام. وهو غير وجوبي في أي طور من أطوار القضايا الجناحية وفي الطور التعقيبي بالنسبة للقضايا الجنائية وهو غير وجوبي في قضايا التسوية وفي القضايا الجبائية، كما أن وكالة التقاضي التي تتطلب حجة عادلة مازالت سارية المفعول والحال أن الفصل 26 من قانون المهنة قيدها وحصرها بين الأصول والفروع. لقد تتالت القوانين التي قلصت من مجال تدخل المحامي وإذا ما تمت المصادقة على القانون المتعلق بتنقيح مجلة التأمين على الحالة الراهنة فإن مجال التدخل سيقع وأده بصفة نهائية.

أما المنافسة فهي مطلقة وشرسة تنقض على مهنة المحاماة من كل صوب وحدب من الإدارات والشركات والبنوك والمؤسسات والأفراد وعديد المهن. إذا كان تمثيل المتقاضين من إختصاص المحامين دون سواهم في أغلبية دول العالم المتحضر، فإن التمثيل أمام المحاكم لم يعد حكرا في بلادنا على المحامين، فالإدارات والمؤسسات والشركات أصبحت لها مصالح قانونية مختصة وهي ترسل موظفيها للحضور والترافع أمام المحكمة كما أن مصلحة نزاعات الدولة تنوب مباشرة حتى في القضايا التي تكون إنابة المحامي فيها وجوبية، إنه إمتياز لا مبرر له لأن قضايا الدولة والمؤسسات العمومية من المفروض توزيعها على المحامين توزيعا عادلا حسب الكفاءات كما أن المستشارين الجبائيين وحتى مراقبي الحسابات أصبحوا يحضرون ويدافعون أمام المحاكم سواء مباشرة بالنسبة للمستشارين الجبائيين أو بواسطة بالنسبة لمراقبي الحسابات، كذلك الأمر بالنسبة لشركات إستخلاص الديون وهكذا فقد المحامي الإمتياز الذي كان يتمتع به وهو المرافعة والتي أصبح يمارسها من هب ودب ولا تنقصه سوى بدلة المحاماة وأخلاقياتها، أما الإستشارة القانونية فقد أصبحت مفتوحة إذ إنتشرت مكاتب الإستشارات والخدمات القانونية بصفة عشوائية ودون أن تكون منظمة في مهنة ولا خاضعة لأخلاقيات مضبوطة والحال أنه من المتفق عليه دوليا بأن المحاماة هي المؤهلة لإعطاء الإستشارة القانونية لما تتمتع به من كفاءات وضمانات، كما أن المرشد القضائي المتواجد بمقر كل محكمة إبتدائية أصبح يقدم إستشارات قانونية بانتظام والحال أن ذلك ليس من إختصاص القضاء إذ لا يعقل أن يعطي القاضي رأيه القانوني مسبقا في موضوع قد يؤول إلى قضية تبت فيها نفس المحكمة، وكأن القضاء قد أفتى في الموضوع قبل تعهده بالخصومة، والحال أنه مؤهل فقط للبت فيها.

والمحامي لم يعد محررا للعقود إلا نادرا فالموظفون المحررون التابعون لإدارات الملكية العقارية ينافسونه بشدة، إذ خول لهم القانون تحرير العقود بالنسبة للعقارات المسجلة ومكنهم من تسهيلات لا تتوفر للمحامي كما أنهم يتقاضون أتعابا زهيدة مقابل التحرير تدخل في باب المنافسة غير المشروعة. أما المنافسة المتأتية من بعض المهن كالخبراء المحاسبين والمستشارين القانونيين أو من بعض الأفراد الذين يستغلون الإعفاء من نيابة المحامي ويمارسون المحاماة بصفة غير شرعية، فإنها متعددة الأشكال والألوان، كما أنه تم غزو عديد الميادين كالمصالحة والتحكيم والإستشارة من قبل الأساتذة الجامعيين نظرا لما يتمتعون به من إمكانيات وكفاءات وعلاقات.

أما المنافسة المتأتية من خارج الوطن فإنها مرعبة ومخيفة، فغول العولمة سيأتي على الأخضر واليابس، وكما يقول بعضهم إذا لم ندخل إلى العولمة فتلك مصيبة، أما إذا دخلناها بدون إعداد محكم فالمصيبة تكون أكبر، والمحاماة التونسية ستدخل العولمة وهي غير مؤهلة لا إقتصاديا ولا إجتماعيا ولا مهنيا، وكما يقول الأستاذ لوران مارليار بأن ما أقرته إتفاقية مراكش حول تحرير الخدمات القانونية يدخل ضمن إستراتيجية الولايات المتحدة الأمريكية لفتح الأسواق الأجنبية لخدمات المحامين الأمريكيين توازيا مع فتح الأسواق الإقتصادية للشركات الأمريكية العملاقة وهو ما يخدم مصالح المكاتب العالمية الكبرى للمحاماة والتي ستتمكن من بعث فروع في العديد من بلدان العالم لتجعل من المحامين المحليين أجراءا لديها، وقد بدأت طلائعها تحل بيننا.

إنه في إطار خنق مجال التدخل وتعدد أوجه المنافسة وزحف العولمة سيصبح حظ المحامي مهما كانت كفاءته في الحصول على ملف تنطبيق عليه القولة الشهيرة :

إن حظي كدقيق بين شوك نثروه *** ثم قالوا لحفاة يوم ريح إجمعوه

الجزء الثالث : صعوبات التعامل مع المحاكم والإدارات :

بقدر ما تطورت الإدارة التونسية في مجال الإعلامية ووسائل الإتصال الحديثة، إذ أصبحت مجهزة بالحواسيب وبالفاكس والأنترنات، بقدر ما بقيت بيروقراطية في أساليب عملها وبكثرة وثائقها وتشعب إجراءاتها، متشددة في تعاملها مع المحامين، فرغم أن قانون المحاماة منح المحامي حق تمثيل المواطن ونيابته أمام الإدارة، فإن جل الإدارات التونسية لا تسهل عمل المحامي ولا تسلمه الوثائق التي يطلبها طبق القانون ولا تجيبه عن إستفساراته ومراسلاته، بل إن عديد الإدارات تفضل التعامل مباشرة مع المواطن والأمثلة على ذلك عديدة وخاصة في التعامل مع المؤسسات العمومية ذات الصبغة الإقتصادية والإجتماعية، وقد وصل الحد بأحد المشرفين على إحدى القباضات المالية بعدم الإذعان إلى تنفيذ حكم إستعجالي قاض بتمكين المحامي القائم بالدعوى من نسخة من عقد مسجل. كذلك الأمر بالنسبة لإدارة السجون التي تمنع في العديد من الأوقات المحامي من زيارة منوبه بدون سبب مخالفة بذلك الفصل الثامن من المبادئ الأساسية بشأن دور المحامين والذي أوجب على الحكومات بأن توفر لجميع المحتجزين أو المسجونين فرصا وأوقات وتسهيلات تكفي لأن يزورهم محام ليتحدثوا معه دونما إبطاء ولا تدخل ولا مراقبة وبسرية كاملة.

أما بالنسبة للقضاء فبقدر ما يحرص المعهد الأعلى على تكوين قضاة ممتازين بقدر ما يكون التأهيل والتكوين المستمر للقضاة المباشرين محدودا كما أن ظروف العمل القاسية وتشعب الإجراءات واكتظاظ الجلسات أثر على نوعية القضاء وجودته. يقول السيد جون كلود ماجندي رئيس المحكمة الإبتدائية بباريس في مداخلة بالمؤتمر الأخير للرابطة الدولية للهيئات الذي إنعقد بالكيبك خلال شهر سبتمبر 2004 بأن القضاء لكي يكون ضامنا للحقوق والحريات يجب أن يكون نوعيا وجيدا. وفي نفس الإطار يقول السيد مارك جوبار Mark JOBERT عضو الرابطة الوطنية للهيئات بفرنسا (CNB) بأن القضاء لا يمكن أن يكون نوعيا وجيدا إلا إذا كان محترما ويحضى بثقة الجميع مسيرا من قبل قضاة مقتدرين مفتوحا للجميع سريعا وناجعا. إن القضاء في تونس يشكو من نقائص في التجهيزات ومن ظروف عمل صعبة أشار إليها التقرير الأدبي الأخير لجمعية القضاة كما يشكو من نقص فادح في الإطار الإداري والقضائي الأمر الذي أدى إلى إرهاق الإطار الموجود واكتظاظ الجلسات (في الغالب أكثر من 200 قضية جناحية و20 قضية جنائية في الجلسة الواحدة) فتفصل القضايا بأساليب مستعجلة والحال أن فصل مثيلاتها في الغرب قد يستغرق أياما، حيث يتم إعادة التحقيق في الدعوى من سماع شهود ومتهمين وتحرير على الخبراء وتمكين المحامين من الوقت الكافي لإبداء ملاحظهم وتقديم مرافعاتهم حتى تبرز الحقيقة للعيان، ولا تزر وازرة وزر أخرى، وتتقلص الأخطاء القضائية، فأين نحن من وصية خليفة المؤمنين عمر إبن الخطاب للقضاء حين أكد على : الفهم..الفهم..الفهم.. كما أن القضاء يعاني من بطئ أحيانا ومن إستعجال أحيانا أخرى، فالبطء ملحوظ في بعض القضايا وفي بعض الأوقات وخاصة خلال العطلة الصيفية حيث كثيرا ما تؤخر القضايا حتى الإستعجالية على حالها أما الإستعجال فبفعل هاجس سرعة الفصل يتم النظر لدى بعض المحاكم في القضايا المدنية وكأنها قضايا إستعجالية حيث يتم تأخيرها من أسبوع إلى آخر دون حتى إحترام أجل تبادل التقارير بالنسبة للسان الدفاع.

يلاحظ المحامي الإيطالي الأستاذ ريمون دينوفي في هذا المجال بأن القضاء الإيطالي مكبل بكثرة الملفات وتشعب الإجراءات الأمر الذي أدى إلى شله حيث تؤخر القضايا دون سبب أو يتم الفصل فيها دون تمعن مؤكدا بأن المجلس الأعلى للقضاء الإيطالي إتخذ عدة إجراءات تأديبية ضد القضاة المخالفين سواء بسبب تقاعسهم أو لأجل تصرفاتهم بالجلسة.

إن ضيق القاعات في بلادنا ونقص التجهيزات وكثرة الملفات يؤثر سلبا على سير الجلسات إذ ينجم عنه اكتظاظ قد يصل إلى حد الفوضى فلا يتمكن المحامون حتى من إيجاد أماكن لهم ولا يستطيعون القيام بواجبهم في ظروف طبيعية، كما تصدر أحيانا بعض الملاحظات التي هي في غير محلها وبعض الممارسات التي تمس من إعتبار المحامي كالمطالبة بإخراجه من الجلسة مثلا.

الجزء الرابع : تدني المكانة وضعف الإمكانيات :

إن المحامي يتمتع بمكانة متميزة في المجتمعات الغربية وخاصة في الدول الأنقلو-سكسونية حيث يعتبر المحامي محل ثقة بالنسبة للعائلة والمؤسسة تتم إستشارته بصفة آلية وتكليفه بالتمثيل أمام الإدارة والمحاكم أو بتحرير العقود أو بالمهام القانونية الأخرى بصفة دورية، أما في بلدان أمريكا اللاتينية، أو في بعض البلاد العربية ومنها تونس، فإن المتقاضي يلتجئ للمحامي في نهاية المطاف لتكليفه عند حدوث المشكلة ولا يتجه إليه لإستشارته قبل حدوثها. إن نظرة المجتمع التونسي للمحامي تغيرت كثيرا، فهذا الأخير لم يعد بالنسبة للمواطن عنصر توازن بينه وبين القضاء أو الإدارة، لقد أصبح المحامي مهمشا، فهو لا يلقى التبجيل والتيسير أمام الإدارة وهو ممنوع من الإتصال بحريفه ومؤازرته أمام الباحث الإبتدائي وأحيانا أمام النيابة العمومية، وهو ممنوع في الممارسة من مؤازرة حريفه أثناء كامل مراحل التحقيق، إذ يطالعنا السادة القضاة بأن جريان العمل قد إستقر على حضور المحامي لدى النيابة العمومية وعند التحرير على الشهود وعند المكافحة أمام التحقيق وإن الإختبارات على إختلاف أنواعها، في حين أن ذلك مخالف لقانون الإجراءات، ومخالف لما هو معمول به في جل دول العالم. كما أنه لا يمكن نظرا لوفرة الملفات واكتظاظ المكاتب من وقت متسع لتقديم مرافعته ووسائل دفاعه، وبالتالي فالمواطن أصبح غير مقتنع بجدوى المحامي وفاعليته، وأصبح يأمل في تحقيق النتيجة ويبحث عن طرق بديلة للمحامي وما أكثرها قصد تحقيق مآربه. إن جل المحامين أصبحوا في ظل هذه الظروف القاسية والتحديات الصعبة شبه عاطلين، شبه معدمين، لا حرفاء لهم ولا ملفات، وحتى من عثر على ملف في قضية جناحية أو شغلية ... فإنه قد يعاني كثيرا بمناسبة إطلاعه على الملف أو عند زيارته لحريفه بالسجن أو عند حضوره بالجلسات، ورغم قيامه بواجبه، كثيرا ما يتنكر له الحريف ويمتنع عن خلاصه في أتعابه وإن العدد المهول لملفات التسعيرة لأكبر دليل على ذلك. كما أنه كثيرا ما يتعذر على المحامي إستخلاص أتعابه بسبب إستحالة تنفيذ الأحكام الشغلية الصادرة ضد المؤسسات الأجنبية المنتصبة ببلادنا في ظل قوانين الأستثمار.

إن الوضع المادي الصعب الذي أصبح عليه المحامي جعل العديد من المحامين المتمرنين يتهافتون على قضايا التسخير ويعرضون خدماتهم، وإذا كان جل دخل العديد من المحامين في فرنسا يتأتى من أتعاب الإعانة العدلية، فإن المحامي التونسي مازال يؤمن الدفاع مجانا في قضايا الإعانة العدلية التي أصبحت تشمل جميع النزاعات ومختلف الدرجات، وذلك بالرغم من أن القانون الجديد المنظم للإعانة العدلية نص على خلاص المحامي في أتعابه التي يقع ضبطها بأمر، إلا أن ذلك الأمر لم ير النور إلى حد الآن. إن مهنة المحاماة أصبحت في جزء كبير منها مهنة الفقراء والعاطلين غير المؤمنين وغير المطمئنين سواء على حاضرهم أو على مستقبلهم وذلك بخلاف بقية المهن الحرة الأخرى (صيادلة، أطباء، خبراء محاسبون، عدول منفذون) التي تؤمن لأصحابها دخلا محترما ومستقبلا باسما وتأمينا شاملا. إن الندم قد تملك عديد الوافدين الجدد على المهنة وخاصة القادمين من مهن أخرى والأمثلة على ذلك عديدة.

إذا كانت بعض المكاتب مزدهرة وإذا كان بعض المحامين يعيشون في مستوى رفيع فإن الأغلبية الساحقة للمحامين تعيش ظروفا مادية صعبة تتمثل أهم مظاهرها في :

- عجز العديد من المحامين على توفير مصاريف العلاج والأدوية لولا تدخل صندوق التقاعد والتقارير المالية تؤكد ذلك بوضوح.

- عجز العديد من المحامين حتى على تسديد معاليم الإشتراك السنوي.

- القيام ضد المحامين بقضايا في أداء المال وغيرها وقد بلغت الإعلامات الصادرة من المحامين للقيام ضد زملائهم عدد 1793 بالنسبة للسنة القضائية 2003/2004 .

وإن هذا الوضع المادي يؤدي في بعض الأحيان إلى ممارسات ماسة بشرف مهنة المحاماة كاستجلاب الحرفاء أو الإستيلاء على محصول التنفيذ

* الباب الثاني : في الأسباب الذاتيّة *

الأسباب الذاتية للقصور عن الإصلاح هي ثانوية منها ما يعود إلى المحامين ومنها ما يرجع إلى الهياكل المشرفة على تسيير شؤون المهنة.

الجزء الأول : الأسباب التي تتعلق بالمحامين :

إن تدني مستوى دخل جل المحامين وتدهور وضعهم الإقتصادي جعل أشكال وكيفية ممارسة مهنة المحاماة تقليدية ومتخلفة في معظمها.

1- أشكال الممارسة :

إن الممارسة الفردية والتقليدية لمهنة المحاماة مازالت متواجدة بقسط وافر في العديد من الدول الأروبية كفرنسا أو بلجيكا بخلاف الدول الأنقلو-سكسونية فإن مكاتب المحامين أصبحت تتجمع في شكل شركات ومكاتب عملاقة متعددة الإختصاصات وصاحبة إمكانيات ضخمة ستشكل في ظل العولمة منافسة شديدة وعتيدة لجل المحامين في أنحاء المعمورة قاطبة، لقد أصبحت المكاتب في الغرب عصرية تجهيزا ومنهجية وأصبح الحصول على شارة الجودة العالمية 9000 أمرا متداولا، ففي فرنسا مثلا وضعت الرابطة الوطنية للهيئات (CNB) الإطار القانوني الذي يمكن مكاتب المحاماة من الحصول على شهادة الجودة العالمية وفعلا تحصل عدد كبير من مكاتب المحامين على تلك الشارة تجاوز المائتين كما تحصل عليها المركز الجهوي لتكوين المحامين بليل ومصالح هيئات المحامين بكل من نانت وليون وكذلك كتابة المحكمة ببوردو، فأين نحن من كل ذلك.

أما في بلادنا فإن المكاتب الجيدة قليلة ويرجع ذلك إلى ضعف الإمكانيات المادية للأغلبية الساحقة للمحامين والتي جعلت المحامي يلهث بعناء وراء خبزه اليومي وغير قادر على تجهيز مكتبه بأبسط الضروريات فضلا عن تجهيزه بمعدات الإعلامية المتطورة وانتداب مساعدين من ذوي الكفاءات الجامعية رغم وفرة عددهم، كما أصبح المحامي العادي غير قادر ماديا على الإشتراك في الدوريات والمجلات القانونية التونسية والأجنبية. وتجدر الملاحظة أن بعض المكاتب الجيدة والمؤهلة فعلا للحصول على شارة الجودة العالمية تعذر عليها ذلك نظرا للمصاريف الباهظة وغياب التشجيعات من قبل السلطة. فما الذي يمنع من إدخال المحامي في منظومة التأهيل مع تحمل الدولة لمصاريف تكوين كتبته ومساعديه وجزء من تجهيزات مكتبه حتى يتمكن من الحصول على شارة الجودة.

ثم إن الأمر المنظم لمكاتب المحامين والمنصوص عليه صلب القانون منذ زمن لم ير النور إلى حد الآن. أما بالنسبة للشركات المهنية للمحامين فإنه رغم مرور أكثر من عقد على سن القانون المتعلق بها لم يقع إقبال كبير على تكوين الشركات بل إن جل الشركات التي تكونت سرعان ما وقع حلها ويعود ذلك إلى عدة أسباب لعل أهمها غياب الإمتيازات التي بشر بها قانون الشركات وعدم تهيئة المحامين لخوض تلك التجربة وعزوف الدولة والمؤسسات العمومية والشركات على الإستعانة بخدمات المحامي الوطني، فقد بلغ إلى علمنا بأن بعض المؤسسات الحكومية إستعانت بمكاتب محاماة أجنبية بالنسبة لعمليات إقتصادية كبرى ودفعت مقابل ذلك مبالغ طائلة بالعملة الصعبة. علما بأن بعض الشركات المهنية ناجحة بامتياز إلا أن عددها قليل جدا.

2- كيفية الممارسة :

إن تضخم عدد المحامين المتمرنين حال دون تأطيرهم وتكوينهم مهنيا وأخلاقيا ولا أدل على ذلك من إستفحال ظاهرة الترحال وتغيير مكاتب المتمرنين والإعلامات الواردة على الفروع الجهوية يوميا في هذا المجال لأكبر دليل على ذلك. إذ تضمن التقرير الأدبي للفرع الجهوي للمحامين بتونس بالنسبة للسنة القضائية 2003/2004 جدولا حول الإعلامات بتغيير مكاتب التمرين يفيد بأن عددها بلغ 127 بالنسبة للسنة القضائية 2001/2002 و 145 بالنسبة للسنة القضائية 2002/2003 و 103 بالنسبة للسنة القضائية 2003/2004، وهي أعداد مهولة.

كما أن المباشرة أصبحت بفعل البطالة مقنعة أو صورية، فعديد المحامين كثيرا ما ينقطعون عن المباشرة سواءا للإلتحاق بوظيفة أخرى أو للدراسة بالخارج دون إعلام الهياكل بذلك، كما أن عديد المحامين كثيرا ما يكونون على علم بتلك المخالفات ولا يبادرون بإعلام الهياكل بها والحال أن ذلك واجب مفروض عليهم ويدخل في نطاق الحفاظ على المهنة وصيانتها. إن ميثاق الأخلاقيات بكندا يفرض على المحامي واجب إعلام العميد بكل مانع لممارسة المهنة بالنسبة للمترشحين الجدد كما يفرض على كل المحامي المبادرة فورا بإعلام الهياكل المهنية عن الممارسات الماسة من مهنة المحاماة كاستجلاب الحرفاء بطرق غير شرعية او الإنقطاع عن المباشرة على أن يكون الإعلام عن حسن نية ودون خلفيات شخصية أو بقصد الإيذاء. كما تجدر الإشارة إلى أن جل الوافدين الجدد على المهنة لا يتلقون بالجامعة تكوينا ولو أوليا في مجال أخلاقيات مهنة المحاماة ولا يجدون ميثاق شرف ينير لهم دربهم وبذلك تكثر التجاوزات والمخالفات المهنية وإن كثرة الشكايات والقضايا الجزائية المنشورة ضد بعض الزملاء لأكبر دليل على ذلك، كما أن مشاركة المحامين في الندوات والملتقيات والجلسات العامة تكون قليلة ونادرة وقد تقتصر على الحضور الشكلي، كما أن الحضور بمحاضرات التمرين غالبا ما كان صوريا.

الجزء الثاني : الأسباب التي تتعلق بالهياكل المهنية :

إن أساليب العمل صلب الهيئة الوطنية للمحامين بتونس بقيت منذ عقود على حالها، فالإدارة ضلت تعمل بطرق بدائية وبإمكانيات بشرية متواضعة، كما نلاحظ ونحن في عصر الإعلامية والأنترنات والثورة الرقمية غياب إدارة خاصة بالإعلامية بمقر الهيئة تعنى بالنشريات الإلكترونية وإعداد موقع الواب الخاص بالهيئة ومتابعة جميع الأعمال المتعلقة بالإعلامية من برامج وتجهيزات وغيرها، ثم إن مجالس الهيئات المتعاقبة دأبت على العمل بدون رؤية مستقبلية ودون وضع برنامج متواصل، فالنشرية تصدر عاما لتختفي أعواما ومجلة المحاماة تصدر مرة كل ثلاث سنوات، كما أن عمل المجالس كثيرا ما اتسم بالفوقية وحتى اللجان التي يقع تكوينها سرعان ما يخمد صوتها وينقطع نشاطها ويختفى أثرها. لقد عجزت الهياكل المهنية على تأطير المحامين وتشريكهم في أعمالها وحتى على تعبئتهم للمشاركة في نضالاتها النقابية المتعددة.

المحور الثاني : حول بعض أساليب النّهوض بالمهنة وحمايتها

كيف السبيل إلى النهوض بالمهنة، كيف السبيل إلى حمايتها، وما هي وسائل العمل التي تمكن من ذلك والتي يجب على الهيئة أن تتوخاها لتحقيق النهضة والحماية المنشودة.

* الباب الأول : كيفية النهوض بالمهنة *

إن المهام الأساسية والأكيدة التي تقع على عاتق الهيئة تتمثل في حماية المهنة من كل التحديات وإعادة الاعتبار لمكانة المحامي في المجتمع.

الجزء الأول : حماية المهنة :

إنما المال قوام الأعمال، فالنهوض بالمهنة والحرص على تكوين المحامي باستمرار وتنظيم مكتبه وتجهيزه يتطلب قبل كل شيء توسيع مجال تدخل المحامي وحمايته من المنافسة.

1- حماية مجال عمل المحامي :

مادامت المحاماة توفر الشغل لأكثر من 15.000 عائلة، فإنه لا بد من حماية مجال تدخل المحامي سواء بالنسبة للنصح أو الإستشارة أو النيابة أمام المحاكم والإدارة أو تحرير العقود أو غير ذلك من المجالات القانونية. لقد تضمنت المذكرة التي تقدمت بها الهيئة الوطنية للمحامين بتونس إلى وزارة العدل وحقوق الإنسان عدة مقترحات عملية في هذا المجال قد سبق التحاور في جلها مع الوزارة، كجعل النيابة وجوبية أمام المحكمة العقارية وفي المادة الجبائية والجزائية، أو كإلزام الشركات التجارية بانتداب محام مستشار تنظيرا بمراقبي الحسابات، كتمكين المواطن من الإستعانة بمحام عند سماعه من قبل الباحث الإبتدائي.

إن الإعانة العدلية أصبحت تشمل جل القضايا وبالتالي فإنه على الهيئة أن تبذل جهدها قصد إستصدار الأمر المتعلق باستخلاص أتعاب المحامين، وفي هذا الإطار يجدر بالهيئة أن تعد مشاريعا لمختلف الأوامر التي نص عليها القانون فيما يتعلق بمهنة المحاماة والتي بقيت إلى حد الآن عالقة،ولا بد إلى الإشارة في هذا المضمار إلى أن الفصل الثالث من المبادئ الأساسية بشأن دور المحامين أوجب على الحكومات بأن تكفل التمويل الكافي والموارد الأخرى اللازمة لتقديم المساعدات القانونية للفقراء ولغيرهم من الأشخاص المحرومين وتتعاون الرابطات المهنية للمحامين في تنظيم وتوفير الخدمات، أي أنه على الدول أن تقوم بخلاص المحامين بأتعابهم في قضايا الإعانة العدلية. كما أنه يجب إلغاء إمتياز الدولة في الدفاع عن مؤسساتها بدون محام، كإلغاء خطة المرشد القضائي وتعويضه باستشارات منظمة لفائدة المتقاضين تشرف عليها هيئة المحامين.

كما أنه على الهيئة أن تسعى إلى إقرار التوزيع العادل لقضايا الدولة والمؤسسات العمومية على المحامين حسب الكفاءات والإختصاصات، على غرار ما هو معمول به في بعض الدول العربية والنامية، كما أنه على الهيئة أن تعد تعريفة دنيا لأتعاب الدفاع تكون ملزمة للمحامين في علاقاتهم مع الأفراد أو مع المؤسسات والشركات، ولئن تم إبطال التعريفات التي أصدرتها هيئات المحامين بمرسيليا أو ببروكسيل من قبل المجلس الوطني للمنافسة، فإنه لا شيء يمنع قانونا من إصدار تعريفة تتضمن الأدنى فقط. وعلى الهيئة أن تعمل أيضا على فرض إحترام القانون فيما يتعلق بتسهيل مهمة الدفاع سواء أمام الإدارات أو أمام المحاكم، كالعمل على أن تقوم الدولة بتشجيع المحامي التونسي على المشاركة في الصفقات المتعلقة بالدراسات القانونية للمشاريع الكبرى، فلا يعقل أن تبقى هذه الصفقات حكرا على المكاتب الأجنبية للمحامين، لا بد من إيجاد إجراءات حمائية للمحامين على غرار ما هو معمول به بالنسبة للمهندسين المعماريين، وذلك بحصر المشاركة في المناقصات على المكاتب التي تشترك فيها بمعية محام تونسي على الأقل. إن السفارات الأجنبية ببلادنا تسعى جاهدة إلى إدخال الشركات الصناعية الكبرى قصد الإستثمار في بلادنا وتوازيا مع ذلك تسعى إلى تمكين المحامين من مواطنيها من سوق الخدمات القانونية بتونس، فلننسج على منوالها.

2- الحماية من المنافسة والتجاوزات :

أ- الحماية من المنافسة :

لا بد أن تعمل الهيئة على حماية المهنة من المنافسة متعددة الأشكال والآتية من كل صوب وحدب من الداخل ومن الخارج، ولا يمكن لها القيام بتلك المهمة العويصة إلا بإحداث مرصد وطني ضد المنافسة، يتولى رصد مختلف أشكالها ومصادرها ومعرفة نوعية الخدمات التي تسديها واتخاذ الإجراءات الحمائية ضدها وتقديم قضايا ضد المنافسين غير الشرعيين. ولقد سبق لهيئات المحامين بأروبا بأن تقدمت بقضايا ضد الخبراء المحاسبين أو غيرهم من المنافسين، أما الهيئة في تونس، فلئن سبق لها أن تقدمت بشكايات ضد الوسطاء آلت إلى صدور أحكام جزائية باتة، فإنها لم تقدم إلى حد الأن قضايا في مجال المنافسة.

إن مجلس القضاء الأروبي أصدر مبدأ هاما بتاريخ 19/02/2002 أقر صلبه بحق الهيئات المهنية في إطار تنظيمها للمهن التابعة لها بأن تتخذ إجراءات تحمي من المنافسة .

كما يجب على الهيئة أن تسعى إلى حماية المهنة من المنافسة الأجنبية وأن تحسس السلطة بضرورة القيام بذلك درءا لمخاطر العولمة فالإتفاقية العامة بشأن تجارة الخدمات المبرمة بمراكش في 16 أفريل 1994 كملحق لإتفاقية إنشاء المنظمة العالمية للتجارة جعلت الخدمات القانونية حاملة لنفس الصفة التجارية التي تحملها بقية الخدمات وبالتالي تطبق عليها نفس القواعد، وهي معاملة مواطنـي ورعايا الدول الموقعة طبقا للشرط التفضيلي المتمثل في الدولة الأكثر إمتيازا بما يعني أن الدول الموقعة على الإتفاقية تتعهد بتقديم نفس الإمتيازات لكل الأعضاء، كما تلتزم بمعاملة مواطنـي ورعايا باقي الدول المنخرطة بنفس الإمتيازات والحقوق التي يتمتع بها مواطنوها وبنفس الشروط والواجبات وقد نصت الإتفاقية على حق الدول في بيان الخدمات التي تستثنيها من نطاق المعاهدة والدولة التونسية لم تستثن الخدمات القانونية، إلا أنها لم تدرجها في لائحة تعهداتها أي أنها لم تتعهد حاضرا بتحرير الخدمات القانونية والتزمت بذلك مستقبلا، وإذا قامت بذلك فيتعين عليها إعتماد التفريق بين التمثيل أمام المحاكم والإستشارة القانونية وتحرير الكتائب، علما بأن آخر أجل حددته المنظمة العالمية للتجارة خلال دورة الدوحة لإدراج الإستثناءات هو غرة جانفي 2005. ومن واجب السلطة تشريك الهيئة الوطنية وإعلامها بكل المستجدات في هذا الموضوع وفي غيره من المواضيع التي تهم القضاء والمحاماة.

ب- الحماية من التجاوزات :

لما كانت المحاماة ولا تزال الضمانة الأساسية لإرساء المحاكمة العادلة ولصيانة حقوق الإنسان والحريات العامة والفردية طبقا للدستور التونسي وللمواثيق الدولية وخاصة الفصلان 5 و8 من المبادئ الأساسية بشأن دور المحامين ، وانطلاقا من إيمان جميع مكونات المجتمع المدني بأن المحاماة تبقى الملجأ الوحيد للمظلومين والملاذ للمتخاصمين فإن حصانة الدفاع لا تشكل إمتيازا بل تعتبر ضرورة ملحة تمليها الرسالة السامية للمحاماة حصن الدفاع عن الحقوق والحريات، وفي هذا الإطار أوجب الفصل 16 من المبادئ الأساسية لدور المحامين على الحكومات تمكين المحامين من القيام بواجبهم دون إعاقة أو مضايقة أو تدخل غير لائق، وتوفير الضمانات الكافية لحمايتهم، كما نص الفصل 20 على ضرورة تمتيع المحامين بالحصانة المدنية والجنائية، بالنسبة للتصريحات التي يدلون بها وهذا ما يتنافى مع الفصل 46 من القانون المنظم لمهنة المحاماة بتونس والذي يتوجب تنقيحه بما يضمن حصانة فعلية للمحامي، بل إن قانون المهنة بأكمله في حاجة إلى مراجعة، علما بأن جل القوانين الأجنبية تحيط المحامين بحماية خاصة ضد الإعتداءات التي قد يتعرضون إليها، فالمادة 47 من القانون المنظم لمهنة المحاماة بمصر تنص على أن للمحامي أن يسلك الطريقة التي يراها ناجعة في دفاعه ولا يكون مسؤولا عما يورده في مرافعاته الشفوية أو في مذكراته المكتوبة مما يستلزمه حق الدفاع، كما تنص المادة 49 بأنه للمحامي الحق في أن يعامل من قبل المحاكم وسائر الجهات التي يحضر أمامها بالإحترام الواجب للمهنة، كما تنص المادة 54 من نفس القانون بأنه يعاقب من تعدى على محام أو أهانه بالإشارة أو القول أو التهديد أثناء قيامه بأعمال مهنته أو بمناسبتها بنفس العقوبة المقررة لمن يرتكب هذه الجريمة ضد أعضاء هذه المحكمة، إن مهنة المحاماة في تونس في حاجة إلى مثل هذه الفصول لأن التعدي على المحامي ببهو المحكمة أو بقاعة الجلسة هو بمثابة التعدي على أي مواطن وهو ما شجع التطاول على المحامين وإهانتهم مرارا من قبل المتقاضين والأمثلة على ذلك كثيرة.

نحن بحاجة ماسة وأكيدة إلى إقرار الحصانة والحماية الضرورية للمحامي والتي بدونها لا يمكنه أن يقوم بواجبه بأمان واطمئنان.

على الهيئة أن تتحمل وزر حماية المحامين والدفاع عن كرامتهم ضد كل الإنتهاكات والسعي إلى تسهيل مهامهم وتذليل العقبات التي تعترضهم سواء في علاقتهم بالقضاء أو بالإدارة وذلك طبقا للمواثيق والقوانين الدولية ومن بينها المبادئ الأساسية بشأن دور المحامي التي إعتمدها مؤتمر الأمم المتحدة الثامن الملتئم بهافانا سنة 1990 والذي جاء بفصله السادس عشر بأنه لا يجوز لأي محكمة أو سلطة إدارية أن ترفض الإعتراف بحق أي محام في المثول أمامها نيابة عن موكله. على الهياكل المهنية أن تسعى إلى حماية المحامي وتمكينه من القيام بواجبه في إطار القوانين والمواثيق الدولية، وأن تبلغ السلط المختصة بكل التجاوزات، وأن تسعى إلى حل الإشكاليات حينا، كما أنه على الهيئة أن تسعى إلى ضمان إستقلال المحامي عن جميع الأطراف دون إستثناء، إن في الحفاظ على إستقلال مهنة المحاماة حماية للمحامين والمتقاضين وصيانة لرسالة العدل. إن مجلس إستقلال القضاء والمحاماة والكائن مقره بجنيف والذي يعمل بتنسيق مع الأمم المتحدة ومنظمة اليونسكو والمجلس الأروبي يتدخل في أي مكان من العالم لحماية إستقلالية القضاء والمحاماة، وقد تدخل فعلا في العديد من المناسبات.

الجزء الثاني : إعادة الإعتبار لمكانة المحامي في المجتمع :

يتمثل الدور الأساسي للهيئة في إجراء مصالحة بين المحامين والمتقاضين وإعادة الثقة بينهما ولا يتأتى ذلك إلا إذا تمكنت الهيئة من تأمين كفاءة صناعية عالية وفرض أخلاقيات صارمة على كافة المحامين.

1-الكفاءة الصناعية

يقول الأستاذ "مارك جوبار" عضو المجلس الوطني للهيئات بفرنسا "لا يكفي أن يكون المحامي موجودا للدفاع عن حريفه بل يجب أن يكون مؤهلا للدفاع ومتمتعا بكفاءة صناعية عالية".

إن المحامي بغير علم كساع إلى الهيجاء دون سلاح، ولقد إعتبرت المحكمة العليا بالولايات المتحدة الأمريكية بأن المحامي يساهم بالأساس في بلورة القضاء الجيد وقضت بإبطال قرارات عدلية إتضح فيها أن المحامي كان غير قادر وغير مؤهل على تأمين الدفاع الجيد.

إن مهنة المحاماة تستوجب تكوينا نظريا جديا في كل المجالات القانونية إلى حد التخصص، كما تتطلب تكوينا مهنيا وتطبيقيا قبل الدخول إليها وتكوينا مستمرا أثناء التمرين وطيلة الحياة المهنية لأن المحافظة على الكفاءة الصناعية تستوجب المواظبة على التكوين والتأهيل. إن المهنة لا يمكن أن تكون وسيلة لحل مشكلة البطالة وملجأ لحاملي الشهائد العليا، فالشهائد العلمية مهما بلغت درجتها لا تؤهل لوحدها لممارسة مهنة المحاماة التي تتطلب تكوينا منهجيا نظريا وتطبيقيا مشفوعا بامتحان جدي ضمانا للجودة والكفاءة، ففي اليابان لا يتمكن سوى 1% من الناجحين في الإجازة من الإلتحاق بمهنة المحاماة، أما في الولايات المتحدة فإن الطلبة الممتازين هم الذين يلتحقون بمعاهد المحاماة. إن جل بلدان العالم المتحضر أصبحت لها معاهد خاصة ونموذجية لتكوين المحامين، بل إن العديد من البلدان الأروبية جعلت من التكوين المستمر إجباريا، وفرضت على المحامي أن يقدم ما يفيد إعداده لدراسات أو مؤلفات قانونية أو قيامه بمحاضرات أو مداخلات علمية سنويا أو ما يفيد أنه حضر دروسا إجبارية لعدة ساعات حسب الجدول التالي :

البلدان مدة التكوين الإجباري في السّنة
فنلندا 3 أيام
الإيكوس 16 ساعة
أنجلتر 16 ساعة
بلاد الغال 16 ساعة
هولندا 12 ساعة
ألمانيا 10 ساعات
بلجيكا 20 ساعة على ثلاث سنوات

وإن عدم الإلتزام بواجب التكوين المستمر يؤدي إلى عقوبات آلية، ففي ألمانيا يؤدي إلى تجريد المحامي من إختصاصه فضلا عن العقوبات التأديبية، أما في هولندا فيؤدي إلى عدم إدراج إسمه بالجدول، أما في أنجلترا فإنه يؤدي إلى الحرمان من شهادة الممارسة فضلا عن العقوبات التأديبية.

إن مجهودات الهياكل المهنية المشرفة على تسيير مهنة المحاماة بفرنسا وخاصة عمادة باريس والرابطة الوطنية للهيئات (CNB) أفضت في هذا المجال إلى إقناع السلط الفرنسية بسن قانون يجعل من التكوين المستمر إجباريا منذ غرة جانفي 2005 وقد لاحظ السيد ميشال بينوشو (Michel BEINICHOU) رئيس الرابطة الوطنية للهيئات بفرنسا (CNB) بأن إقرار إجبارية التكوين المستمر شكل نقلة نوعية ثقافية هامة بالنسبة لمهنة المحاماة بفرنسا مؤكدا على ضرورة إحداث ورشات تكوين مشتركة بين معهد القضاء ومعهد المحاماة لتقريب وجهات النظر القانونية وتوطيد العلاقة بين أفراد الأسرة الواحدة التي كثيرا ما تكون متوترة . كما تقول الأستاذة المبرزة في الحقوق السيدة آن لود مديرة مركز تكوين المحامين بفرنسا بأن التكوين الجديد يجب أن يكون مستجيبا للتطورات الحديثة التي تشهدها مهنة المحاماة بفرنسا .

هكذا تبرز أهمية التكوين المستمر الإجباري، ولا يتم هذا في بلادنا إلا بإحداث معهد أعلى للمحاماة على غرار معهد المحاماة بالكيبيك الذي تأسس منذ سنة 1968 ويدخله كل المترشحين للمهنة بعد إجراء مناظرة كما تختم الدروس فيه النظرية والتطبيقية بإجراء مناظرة ثانية على أن يتم إختصار مدة الدراسة بالنسبة لحاملي الشهادات العليا في الحقوق. وإن إحداث المعهد أضحى واجبا وطنيا متأكدا خدمة للعدالة ولضمان المساواة أمام القانون، إن التكوين المستمر أصبح ضرورة ملحة ومستعجلة، لذلك يجب على الهيئة أن تتحمل مسؤولياتها وأن تضمن للمحامين المتمرنين على الأقل تكوينا إجباريا مشفوعا بامتحان سنوي على غرار ما هو معمول به في الأردن حيث تم فرضه صلب النظام الداخلي في الباب المتعلق بالتثبت من الجدارة والكفاءة، حيث نص الفصل 22 من ذلك النظام على ضرورة إجراء إمتحان كتابي مشفوع بامتحان شفاهي في شكل مرافعة وذلك سنويا، كما نص الفصل 24 بأنه لا يرسم بقسم الإستئناف إلا المحامي المتمرن الذي تجاوز الإمتحان بنجاح. كما أنه على الهيئة أن تعد برنامجا متكاملا للتكوين والرسكلة وورشات للمرافعة مفتوحة لكل المحامين وتشرف عليها لجنة التكوين التابعة للمجلس العلمي ويكون الحضور بها إجباريا بالنسبة للمحامين المتمرنين.

كما أنه على الهيئة أن تضمن بمقراتها تكوينا للمحامين ومساعديهم في مادة الإعلامية والأنترنات وأن تشجعهم على الإشتراك في شبكة الأنترنات خاصة وأن المعاليم أصبحت رمزية في وقت أصبحت فيه الأنترنات أصدق وأسرع أنباءا من الكتب، إذ تمكن المحامي من الإطلاع على التشاريع وفقه القانون وفقه القضاء في العالم، كما يمكنه من الإطلاع على المستجدات في كل العلوم والميادين، كما أنه على الهيئة أن تسعى في إتصالها مع المحاكم والإدارات على تشجيع الإستعمال الآلي للمراسلة الإلكترونية.

كما أنه على الهيئة إعادة تأطير كتبة المحامين ورسكلتهم دوريا وإيجاد ميثاق شرف لهم يضبط حقوقهم وواجباتهم لأن المصالحة بين الحريف والمحامي تبدأ أساسا من المكتب ومن كيفية الإستقبال.

2- فرض السلوك القويم :

إنما المهن بأخلاقها بل إنما لأمم الأخلاق ما بقيت ... فإن هم ذهبت أخلاقهم ذهبوا. إن مهنة المحاماة تستوجب حتى تحافظ على مبادئها الأساسية من صدق وأمانة ونزاهة وجود ميثاق شرف والعمل على تطبيقه بكل حزم، هذا ما بينه إستفتاء في ميلانو (إيطاليا) عبر صلبه 63% من المحامين على ضرورة إرساء أخلاقيات صارمة والعمل على إحترامها من أجل النهوض بالمهنة، لذلك يتوجب على هيئة المحامين بتونس المبادرة فورا بإصدار النظام الداخلي الذي نص عليه قانون المهنة منذ أكثر من 15 سنة، والذي يجب أن يبين المبادئ الأساسية السامية لمهنة المحاماة وأدبيات التعامل مع كل الأطراف، كما يجبب على الهيئة مقاومة التسيب بكل حزم وذلك باتخاذ إجراءات تأديبية صارمة وأن تعمل على إقناع القضاء والسلطة بأن التأديب هو في صالح جميع الأطراف وفي خدمة السير الحسن والعادل للقضاء. إذ لا يعقل أن يصدر عن الهيئة قرار بالمحو ثم يقع تقريره إستئنافيا مع تعديله وذلك بإبدال المحو بالإيقاف عن العمل لمدة شهر أو شهرين فقط والأمثلة على ذلك متوفرة.

* الباب الثاني : وسائل العمل

إن النهوض بالمهنة وحمايتها ليس بالأمر الهين بل هو مهمة شاقة تتطلب تكاتف كل الجهود وتعاون كل الأطراف الفاعلة في مهنة المحاماة، إن إعادة الإعتبار إلى مهنة المحاماة وفقا للأهداف المرسومة أعلاه يتطلب عدة شروط ووسائل لعل أهمها :

- إحكام تنظيم عمل الهيئة

- تنظيم حملة إعلامية وطنية

- التشاور المتواصل مع السلطة والمؤسسات ومكونات المجتمع المدني

- النضال والدفاع عن الدفاع

الجزء الأول : إحكام تنظيم عمل الهيئة :

لا يمكن أن تدافع عن المحاماة والمحامين إلا هيئة قوية، تشهد هياكلها المشرفة على تسييرها إلتفاف كافة المحامين حولها وتحظى بثقة المتقاضين وقوة الهيئة تتمثل أساسا في وحدتها، فتعدد الهيئات بأروبا خلق عدم توازن بينها ذلك أن بعضها لا يضم سوى عدد قليل من المحامين مما صيرها تشكو من العجز والتهميش.

على هيئة المحامين بتونس أن تحافظ على وحدتها، وأن تقاوم كل أطروحات ومناورات التقسيم ولنا في ما حصل بفرنسا وبلجيكا من تقسيم أضعف بعض الهيئات عبرة لمن يعتبر.

وعلى الهياكل المشرفة على تسيير المهنة أن تسعى إلى حماية كافة المحامين ومعاملتهم بنفس الدرجة من المساواة لا فرق بين محام وآخر إلا بالعمل الجاد واحترام الأخلاقيات والإلتزام بالدفاع عن حقوق الأفراد وحرياتهم، وعلى الهياكل أن تعمل على نشر ثقافة جديدة لدى كافة المحامين تؤمن الوعي لديهم بالإلتزام بصيانة مهنتهم والمشاركة في أنشطتها وتحركاتها والإستجابة لنداءات الهياكل وطلباتها.

إن أي هيئة لا يمكنها النهوض بالمهنة وحمايتها إذا بقيت تتصرف بأساليب العمل البدائية وتؤمن الخدمات اليومية، يجب عليها أن تحدث ثورة في العقليات وفي أساليب العمل وأن تكون صاحبة برنامج متكامل ومشروع مستقبلي وكما قال أوقست كونت "يجب على الهيئة أن تكون عنوانا للتقدم والتطور.

كما عليها أن تحدث نقلة نوعية في تجهيزاتها وفي إدارتها وأن تؤهل موظفيها وتأطرهم، كما عليها أن تحدث ثورة جذرية في أساليب عمل المجالس وذلك بإحداث لجان عمل مختصة مفتوحة على الكفاءات تعمل بانتظام وبانضباط على غرار اللـجـــان الــتـــابعة لهيئة المحامين بباريس والمختصة والتي أحدثها العميـد فاتيي Le Bâtonnier BERNARD VATIER والتي بلغ عددها الآن 17 وهي لجان مفتوحة على كل الطاقات تضم عددا كبيرا من المحامين وتعمل بانتظام ووفق برامج عمل واضحة المعالم وتساهم في بلورة فقه الهيئة وفي وضع التصورات والإقتراحات حول برامج التكوين، وقد تضمن تقرير نشاط هيئة المحامين بباريس لسنة 2004 عرضا مسهبا لمختلف أوجه نشاط تلك اللجان.

كما أنه على الهيئة أن تفعل لجنة إستشراف المستقبل التي بعثتها أخيرا في إطار المجلس العلمي ولنا خير قدوة في لجنة إستشراف المستقبل التي أحدثتها هيئة المحامين بالكيبيك والتي يقول في شأنها الأستاذ لوران مارليار "إن مهنة المحاماة بالكيبيك تطورت كثيرا بالنسبة لدول أروبا الغربية فيما يتعلق بمدى فهم المحيط ورصد تأثيراته على مهنة المحاماة حيث تم إنشاء لجنة تهتم بمستقبل مهنة المحاماة منذ سنة 1994 والتي بلورت المهام المطروحة على المهنة في ظل التطورات والتغييرات وأكدت بأن الأمر يستوجب بالضرورة تغييرا في العقليات وأعدت تقريرا برئاسة العميد قوتيي Le Bâtonnier André GAUTHIER إعتبره العديد من المختصين منجما غنيا بالأفكار الجيدة والمقترحات البناءة، ولنا أيضا في لجنة إستشراف المستقبل التي أحدثتها هيئة المحامين بباريس أخيرا خير أسوة، وهي لجنة تتكون من عشرين محاميا في إختصاصات مختلفة وقد تولت رصد مختلف العناصر التي قد تؤثر مستقبلا على مهنة المحاماة وحددت ملامح مشروع مستقبلي متكامل يمتد على مدة 15 سنة أسمته "محامون +15" كما أنه على الهيئة أن تلجأ إلى إجراء دراسات دورية بواسطة شركات مختصة حول معدل الدخل السنوي بالنسبة للمحامي وحول مدى تأثير المتغيرات الإقتصادية على دور المحامي.

الجزء الثاني : تنظيم حملة إعلامية وطنية :

يجب على الهيئة أن تسعى إلى إعادة ثقة المتقاضي في كفاءة المحامي وفي جدواه وفي سمعة المحاماة ولا يتأتى هذا إلا بتنظيم حملة وطنية عبر وسائل الإعلام المكتوبة "دليل، نشرية، لافتات، مطويات، جرائد...) والمسموعة والمرئية قصد التعريف بمختلف الخدمات التي يسديها المحاماة، كما عليها أن تجري دراسات دورية لدى المتقاضين حول رأي المتقاضين في خدمات المحامين على غرار ما قامت به عمادة المحامين ببروكسال والتي أظهرت أن 75% من المتقاضين راضون على المشورة التي قدمها لهم المحامون. لقد نص الفصل الرابع من المبادئ الأساسية بشأن تنظيم دور المحامي بأنه يجب على الحكومات والرابطات المهنية للمحامين بأن تروج البرامج التي تستهدف إعلام الجمهور بحقوقه وواجباته بمقتضى القانون وبدور المحامين الهام في حماية حرياته الأساسية، وفي هذا الإطار بادر عميد المحامين بباريس الأستاذ جون ماري بورقيبيري بتنظيم حملة وطنية طموحة قصد إبراز وجه جديد ومشرق لمهنة المحاماة بباريس، والسعي إلى الرفع من حجم تدخل المحامي، وقد أنطلقت الحملة فعلا عبر التلفزة منذ 19/11/2004 لتتواصل مدة 3 سنوات بأشرطة وثائقية مختلفة تبث يوميا حول مكانة القانون في مختلف أوجه الحياة ولقد تضمن تقرير نشاط هيئة المحامين بباريس لسنة 2004 بأنه على المهنة أن تدافع عن مجال تدخلها وعن مؤهلاتها، وأن تلمع صورتها في المجتمع وقد تركزت الحملة الإعلامية سواء بالصحف أو بالمعلقات أو بالنشريات أو بوسائل الإعلام المرئية والمسموعة على إبراز أن المحامي هو الخبير الوحيد في القانون، وعلى إعطاء صورة إيجابية للمهنة في مختلف المجالات حيث يعمل المحامي بكفاءة واقتدار وتقديم أمثلة حية على ذلك. وبفعل مجهودات الرابطة الوطنية للهيئات (CNB) ومجلس العمداء بفرنسا وهيئات المدن الكبرى، فإن جميع الهيئات بفرنسا سوف تنظم إلى هذه الحملة الإعلامية من أجل قفزة جديدة ومفيدة لمهنة المحاماة بفرنسا. إن الخبراء المحاسبين بتونس قد شرعوا فعلا في القيام بحملة دعائية ناجعة قصد التعريف بكفاءتهم وخبرتهم والتنويه بمستوى مهنتهم عبر الملصقات والنشريات، لذا يتوجب على هيئة المحامين بتونس أن تسعى إلى تنظيم حملة منظمة للتعريف بحقوق المواطن وبدور المحامي في صيانتها إلا أن هذا يتطلب بالضرورة فتح مجالات وسائل الإعلام المكتوبة والمرئية والمسموعة أمام الهيئات المهنية والرأي المخالف. كما تتطلب إمكانيات مادية ضخمة على غرار بعض الهيئات الشقيقة (المغرب) والصديقة (فرنسا).

الجزء الثالث : التشاور والتحاور :

من المفروض على الهيئة أن تتشاور وتتحاور مع كل الأطراف، السلطة ومؤسسات المجتمع المدني وكل المؤسسات التي لها علاقة بمهنة المحاماة، أما بالنسبة للتشاور والحوار مع السلطة فقد نصت عليه وثيقة المبادئ الأساسية بشأن دور المحامي في المادة 29 التي ورد بها : تتعاون الرابطات المهنية للمحامين مع الحكومات لضمان حصول كل فرد على الخدمة القانونية بطريقة فعالة ومتسمة بالمساواة ولضمان تمكين المحامين من تقديم المشورة إلى موكليهم ومساعدتهم على تمثيلهم. إن التشاور والحوار لا يجب أن يقتصر على وزارة العدل بل يجب أن يتعداها إلى مختلف الوزارات، كوزارة المالية ووزارة الإقتصاد أو وزارة أملاك الدولة وإلى البرلمان والمحامين النواب، بل يجب أيضا أن يكون مسترسلا ومنظما مع الإدارات والوكالات الإجتماعية أو الإقتصادية كوكالة النهوض بالإستثمارات الصناعية (API) أو وكالة النهوض بالإستثمارات الفلاحية (APIA) ومركز النهوض بالصادرات (CEPEX).

ومن المفروض أن يكون التشاور والحوار متبادلا، أي أنه على السلطة التنفيذية أن تعلم الهيئة بمختلف مشاريع القوانين التي تهم مهنة المحاماة وتمكنها من تقديم مقترحاتها، وعلى الوزارات أن تعقد جلسات عمل مشتركة ودورية مع هيئة المحامين، كما أنه على مختلف الإدارات والوكالات المذكورة أن تجيب على مراسلات الهيئة والمحامين وأن تسعى إلى عقد ندوات علمية مشتركة.

إن هيئة المحامين ببلجيكا أسست لهذا الغرض لجنة تفكير وتشاور مع العالم السياسي تتم إستشارتها دوريا بالنسبة لمشاريع القوانين التي تتعلق بالقضاء والمحاماة وإن التشاور والحوار كثيرا ما يحل المشاكل العالقة ويذلل الصعوبات، فعلى سبيل المثال بمناسبة نظر مجلس الشيوخ الفرنسي في مشروع قانون بربان 2 أرسل عميد المحامين بباريس إلى رئيس جمهورية فرنسا رسالة مفتوحة يطلب منه صلبها سحب ذلك المشروع وإجراء مشاورة حقيقية قبل سنه، وبالفعل تم سماع مجلس الهيئة من قبل المجلس الدستوري الذي إعتبر أن بعض فصوله ماسة بحقوق الدفاع، كما أن مجهودات مختلف الهياكل المشرفة على مهنة المحاماة بفرنسا أقنعت السلط العمومية بضرورة إعادة النظر في التكوين المستمر وجعله إجباريا، وإذا كان الحوار الجدي الذي بدأناه منذ زمان مع وزارة العدل ووزارة المالية قد أفضى إلى بعض الحلول وإلى تذليل بعض الصعوبات فإننا نطالب بأن يؤدي ذلك الحوار في القريب العاجل إلى حل المشاكل الجوهرية التي تعاني المهنة منها منذ القدم، كإنشاء التأمين، وتوسيع مجال التدخل، وحماية المهنة من المنافسة وتوفير الحصانة والحماية للمحامي وللمهنة بأكملها وإنشاء معهد للمحاماة يعنى بالتكوين المستمر والإجباري وهي مشاكل تم حلها بصفة جذرية في أغلبية بلدان العالم منذ عقود.

كما أن التشاور يجب أن يكون منتظما مع مختلف مكونات المجتمع المدني من رابطة للدفاع عن حقوق الإنسان ونقابات وهيئات مهنية ووكالات إقتصادية وجامعات وبنوك قصد تنظيم ندوات مشتركة وملتقيات حول مختلف الإشكاليات القانونية لما في تلك الملتقيات من نفع على تكوين المحامين ومن تأثير جيد على عملهم اليومي.

الجزء الرابع : الدفاع عن الدفاع والوسائل النظالية :

لا ينكر أحد على الهيئة حقها في النضال بجميع الوسائل النقابية للدفاع عن حقوق المحامين وكرامتهم إلا أن الوسائل النقابية مهما كانت بسيطة فإنها تستوجب حملة توعية متواصلة وحملة تعبئة منظمة، لأن النهوض بالمهنة وحمايتها ليس مسؤولية أشخاص أو مجالس فقط بل هو مسؤولية الهيئة بأكملها أي كافة المحامين، إن المتأمل في تقرير نشاط هيئة المحامين بباريس لسنة 2004 يلاحظ كثافة التحركات النقابية ومدى تعبئة المحامين والتزامهم ومؤازرتهم للهياكل المشرفة على تسيير المهنة، ذلك أن أول تحرك نقابي تمثل في التجمع الذي قام به المحامون بباريس بكثافة أمام مجلس النواب بمناسبة النظر في مشروع بربان 2، أما ثاني تحرك فكان بمناسبة النظر في مشروع القانون المتعلق بمكافحة غسل الأموال، حيث أعدت الهيئة عريضة ضد ذلك القانون وقدمتها إلى البرلمان الأوروبي وقد لاقى إحتجاج الهيئة آذانا صاغية وتم تنقيح بعض الإجراءات . أما ثالث تحرك نقابي فكان بمناسبة إعداد مشروع لتحويل مقر قصر العدالة بباريس إذ نظم المحامون تجمعا ناجحا يوم 6 جويلية 2004 أمام قصر العدل، لقد تم تنظيم كل هذه التحركات النضالية في إطار القانون، وقد نجحت بفعل المشاركة المكثفة للمحامين، ولم تؤثر على النظام العام، وأتت أكلها وكانت النتيجة مرضية لصالح المحامين والمتقاضين والعدالة بصفة عامة.

خلاصة القول أن وضع المحاماة صعب للغاية وإن إصلاحها واجب وطني وأكيد تتحمله كل الأطراف دون إستـثنـاء حتى تتبوأ المكانة التي تستحقها في إنارة العدل والدفاع عن الحقوق والحريات، فلنعمل جميعا بعزيمة صادقة من أجل تحقيق ذلك. إن القول كالبرق، والأفعال كالمطر، فلنجعل قولنا برقا صادق الخبر. والسلام. العميد عبد الستار بن موسى


الصفحة الاساسية | الاتصال | خريطة الموقع | | News Admin| الإحصاءات | زيارة: 875803

متابعة نشاط الموقع ar  متابعة نشاط الموقع عربي  متابعة نشاط الموقع محاضرات حول المحاماة   ?

Site réalisé par N@ros avec spip 2.0.3 + AHUNTSIC

Creative Commons License