الأستاذ شوقي الطبيب Me Chawki Tabib

جرائم الصحافة

الخميس 1 أيار (مايو) 1997 بقلم chawki

السنــــــــــة القضــــــــــــائية 1993 - 1994 مـــــــحاضرة خـــــتم الــــــــــتمــــــرين

جرائم الصحافة الأستاذ المحاضر الأستاذ شوقي الطبيب

قصر العدالة بتونس 2 جوان 1994

المــــقـــدمــــة :

يعود تاريخ ظهور أوّل صحيفة بالبلاد التونسية إلى يوم 23 مارس 1838 حين أٌدم إيطاليان إبّان فترة حكم أحمد باي على إصدار جريدة باللّغة الإيطالية : « IlGIORNAL DI TUNISI. E . DE CARTHAGRE » ’’ الجرنال دي تونزي – دي كرطاجني ’’، والهدف من ذلك رعاية مصالح الجالية الإيطالية بتونس سيما وأن الإيطليين كانوا يمثّلون أنذاك أعلى نسبة الأجانب بالإيالة. ويشاء قدر الصحافة التونيسة أن يتزامن ميلادها مع المنع والمصادرة إذ أمر أحمد باي بإيعاز من القنصل الفرنسي بحجز العدد الأول ’’ للجورنال دي تونزي دي كرطاجني’’. فصودرت الخمسون نسخة لهذه الصحيفة التي منعت من الصدور نهائيّا. هكذا إذن خنقت السلطة السياسية في المهد أول مولود للصحافة التونسية.

ويعود تاريخ إصدار أوّل صحيفة باللّغة العربية إلى يوم 22 جويلية 1860 حين قرّر محمد الصادق باي تأسيس ’’ المطبعة الرّسمية بتونس ’’ التي أصدرت صحيفة ’’ الرّائد التونسية ’’. ويتزامن ميلاد أول صحيفة عربيّة بالبلاد التونسية مع صدور أول مرسوم زجري للصحافة، حين منع محمد الصادق باي صدور أية صحيفة أخرى عدا ’’ الرّائد التونسي ’’ .

وبدأت رحلة الصحافة التونسية لتقف عند محطّات عديدة، سنحاول خلال هذه المقدّمة التعريف بصفة إجمالية بخصائص كظلّ منها سيما فيما يتعلّق بالنصوص التشريعية التي رافقتها مستندين على التقسيم التالي:

أولا : الصحافة التونسية قبل إنتصاب الحماية الفرنسية.

ثانيا : الصحافة التونسية تحت الحماية الفرنسية.

ثالثا : الصحافة التونسية بعد الإستقلال.

الصحافـة التـونسيـة قـبـل إنتصـاب الحمايـة الفـرنسيـة

ليست من باب الصدفة أن يتزامن صدور أول صحيفة بتونس مع صدور أول مرسوم جزري للصحافة. فتفطّن السّلط السياسيّة بالإيالة التونسية لخطورة وأهمية هذه الوسيلة كان مبكّرا سيما وأنه قد سبق الظهور أصداء الدّور السياسية الذي لعبته الصحافة بفرنسا وبريطانيا بالخصوص. لذلك فلا غرابة أن ينقل لنا مؤرّخو تلك الحقبة أن جميع نشريات المطابع والمكتبات كانت ومنذ 1875 تخضع وجوبا إلى رقابة مسبقة من طرف لجنة متركبة من أئمة بجامع الزيتونة للتأكد من مدى مطابقتها أو مخالفتها لتعاليم الشريعة الإسلامية ثمّ إلى رقابة لجنة حكوميّة للتثبت في محتواها السياسي، ممّا دفع بعديد التونسيين إلى اللّجوء إلى المطابع الأجنبية خاصّة بمالطة وإيطاليا، كما غذى هذا الوضع ظهور المطابع السرية .

الصحافـة التـونسيـة تحت الحمايـة الفـرنسيـة

في 24 أفريل 1883 تذرعت فرنسا بتكرّر هجمات قبائل بني خمير التونسية على الحدود الجزائريّة لتقوم بإجتياز تلك الحدود وتحتلّ مدينة الكاف بقيادة الجنرال الفرنسي ’’ لوجيرو ’’. وفي نفس الوقت تقريبا إحتلّت البحرية الفرنسية مدينة طبرقة بعد أن قصفتها بالقنابل ثمّ بنزرت التي زحف منها الجنرال ’’ برييار ’’ على مدينة تونس. وفي الثاني عشر من نفس الشهر دخل هذا الأخير وبدون مقاومة إلى قصر باردو الذي حاصره فما كان الباي إلاّ أن يوقع على معاهدة باردو التي كرّست الهيمنة الفرنسية على تونس . وهكذا دخلت البلاد حقبة جديدة من تاريخ سنقتصر على التذكير بالجانب الصحفي منها.

نشير في البدء إلى أن الفرنسيين بادروا وفي نطاق ’’ الإصلاحات ’’ التي فرضوها على الباي بدفعه إلى إصدار أمر 14 أكتوبر 1884 لتنظيم الصحافة، وهو عبارة عن نسخة لقانون 9 جويلية 1881 الفرنسي مع إدخال بعض التحويرات التي ’’ ... إقتضاها الوضع الحالي للبلاد وتنظيم السلطات العمومية للحماية.’’ . أمّا عن أهم ميزات هذا النصّ القانوني التحرّري في ظاهره فهو ضبطه ولأوّل مرة لجملة من الإلتزامات المحمولة على ككاهل أصحاب الصحف كضرورة تسديد ضمان مالي مسبق بدونه لا يمكن نشر أيّ شيء (المادة الثانية من أمر 14 أكتوبر 1884) كما جرّم هذا النصّ لأوّل مرّة أيضا مجموعة من الأفعال أيضا التي قد ترتكب بمناسبة الصحافة أو النشر و نصّ على عقابها الجزائي الذي يتراوح بين الشهرين والثلاث سنوات سجنا بالإضافة إلى دفع غرامة مالية ضد ’’ كلّ من تسول له نفسه أن ينتقد العائلة المالكة أو يهاجم الأديان والمعتقدات المعترف بشرعيتها أو يقدح في حقوق الحماية الفرنسية وسلطاتها ’’ وهنا يجدر التذكير أنه بمقتضى إتفاقية الحماية فإنه لا تطبق على الصحافة الفرنسية ’’ قوانين الإيالة ’’ التي تصدر عن الباي أي أن هذه التدابير الردعية والعقووبات الزجرية لا تعم سوى صـحافة ’’ المحليّين’’ بمعنى Les indigènes من العرب وفي هذا الصدد كتبت الباحثة الفرنسية ’’ كريستيان صوريو ’’ في دراسة بعنوان ’’ صحافة المغرب العربي ’’ ما يلي: ’’ هناك إختلاف قانوني بين نظام صحافة القوّة المهيمنة من جهة ونظام صحافة المحليّين من جهة أخرى وهو إختلاف يخدم القوّة المهيمنة. ولقد روعيت في التنظيم العام للصحافة حاجيات الأروبيين وحدهم.’’ وعلى الرغم من تلك الظروف الصعبة إستطاعت الصحافة التونسية أن تشق طريقها بفضل جيل من الروّاد حملت مشعل الإصلاح والنهضة فبرزت عنواين مثل ’’ الزهرة ’’ ’’ التونسي ’’ و ’’ السعادة العظمى ’’ و ’’ العمل ’’ ...ولمعت أقلام وأسماء كعلي باش حامبة والبشير صفر والطاهر الحدّاد والهادي العبيدي وغيرهم...

ويجمع المؤرّخون أن ميلاد الحركة الوطنية كان على أعمدة الصحف وقاعات التحرير أين تشكل الوعي بوجود الحصول على حرية تقرير المصير. فكانت الصحافة التونسية حاضرة في كلّ الأحداث الكبرى التي هوت البلاد كالإنتفاضات الشعبية وحركات التمرّد النقابية إلى حين إندلاع شرارة الكفاح المسلّح وحصول البلاد على إستقلالها. وخلال هذه الحقبة عانت الصحف من الرقابة والمصادرة سيما أثناء الحربين العالميتين كما عرف الصحافيون مرارة النفي وظلمة السجون.

أمّا عن أهم حدث تشريعي يتعلق بصحافة ما قبل الإستقلال فهو ’’ الأمر العلي’’ الذي أصدره الأمين باي أسابيع قليلة قبل حصول البلاد على إستقلالها التام في 20 مارس 1956 والمؤرّخ في 9 فيفري 1956 الذي نصّ على أن الطباعة حرة في تونس ويكفي لكل من يرغب في إصدار مجلة أو جريدة أن يتقدّم بإعلام إلى المصالح المختصّة ليتحصّل على ’’ وصل الإعلام ’’ كما حدّد هذا القانون حريّة الصحافة في أبوب " الثلب والحثّ على إرتكاب الجرائم والجنح وغيرها من المخالفات التي ترتكب بواسطة الصحافة ’’. ختاما لابدّ من الإشارة للدّور الذي لعبه نظام الحماية لتطوير الصحافة التونسية كما وكيفا، إّ نقل الفرنسيون إلى الإيالة آخر مستحدثات النشر وفنون الطباعة وكان لهم الفضل تفي التكوين المهني لعدد كبير من التونسييين العاملين في القطاع سواء من الصحفيين أو الفنيين الذين ظمنوا بعد حصول البلاد على إستقلالها ورحيل الفرنسيين تواصل صدور الصحف. ويكفي للتدليل على هذا الدّور أن نذكر أنه خلال سنة 1860 لم يكن يصدر بالإيالة سوى عنوان صحفي واحد – الرائد التونسي – ليتضاعف هذا الرّقم مباشرة بعد إنتصاب الحماية ويصبح عشرون عنوانا سنة 1910، ثمّ ثمانية وعشرون سنة 1921، ليصل إلى ذروته سنة 1937 خلال فترة حكم الجبهة الشعبية بفرنسا المتسمة بالإنفتاح السياسي إذ بلغ عدد الصحف التونسية أنذاك واحدا وخمسون.

الصــحافة التــــونسية بعـــد الإستقـــلال

حصلت البلاد التونسية على إستقلالها التام بتاريخ 20 مارس 1956، وفي 25 جويلية 1957 أعلن المجلس الدستوري التأسيسي قيام الجمهورية وإلغاء نظام البايات وتعيين الزعيم الحبيب بورقيبة رئيسا لأول جمهورية تونسية. ثمّ جاء دستور 1 جوان 1959 ليكرّس التوجه التحرّري واللّيبيرالي لنظام الحكم فأكّد على أن السيادة للشعب يمارسها عبر الإنتخاب الحرّ وأن نظام الدّولة جمهوري يعتمد التفريق بين السّلط ويضمن إستقلال القضاء وحقوق الإنسان وحريّاته الأساسية. كما نصّ الفصل الثامن على ’’ أن حرية الفكروالتعبير والصحافة والنشر والإجتماع وتأسيس الجمعيات مضمونة وتمارس حسبما يضبطه القانون’’. غير أن الصراع الذي إندلع بين الزعيمين الحبيب بورقيبة وصالح بن يوسف إنعكس بكلّ ثقله على الحياة السياسية منذ سنة 1955 مهدّدا بإندلاع حرب أهليّة. ودخلت البلاد في دوامة ’’ تصفية الحسابات ’’ مخلّفة آثار رهيبة، كان صالح بن يوسف من ضحاياها إّ وقع إغتياله في 12 أوت 1961 من طرف مجهولين بأحد النزل بمدينة فرنكفورت الألمانية

وزاد الوضع سوءا سنة 1962 غداة الإعلان على إفشال محاولة لقلب نظام الحكم بالقوة قامت بها مجموعة من قدامى ’’ الفلاقة ’’ بالتعاون مع بعض العناصر من الجيش وقوات الأمن، فإتّخذت السلطة هذا الحدث ذريعة لمزيد التضييق على الحريّات العامّة بالبلاد وعلى الصحافة بالخصوص فتمّ منع صحيفتين غير مواليتين للحكومة وهما ’’ الطليعة ’’ و ’’ منبر التقدم ’’. أما صحيفة – Afrique Action – فعلى الرغم من أن مديرها ومؤسّسها البشير بن أحمد كان كاتب دولة للإعلام في أول حكومة للجمهورية فإنها إضطرّت أن تغلق محلاّتها وتنتقل إلى روما ثمّ إلى باريس أين عاودت الظهور تحت تسمية – Jeune Afrique è وفي سنة 1963 قرّر بورقيبة حلّ الحزب الشيوعي التونسي على الرغم من مساندته له ضد بن يوسف . وهكذا دخلت البلاد رسميا في نظام الحزب الواحد مع ما مثله من تهميش للمؤسّسات وشخصنة للحكم والإنفراد بالسلطة وضرب للحريّات الأساسية. ولقد كانت الصحافة التونسية من أبرز ضحايا تلك الحقبة إّ إنخرطت وسائل الإعلام في ’’ سنفونية متجانسة ’’ هدفها تمجيد ’’ المجاهد الأكبر ’’ وغايتها التبشير بـ ’’ فرحة الحياة ’’، ومن لم ينخرط في هذا الإتجاه فإن مصيره المنع والمصادرة وحتّى السجن. ثمّ شهد الوضع السياسي شيئا من الإنفراج سنة 1981 غداة الإعلان رسميا من طرف الرئيس بورقيبة موافقته على قيام تعدّدية سياسية بالبلاد فظهرت من جديد صحف المعارضة وإستعادت الصحافة المستقلة مكانتها على الساحة الإعلامية. غير أن أحداث ’’ الخبز ’’ في جانفي 1984 كانت المنعرج الذي أدخل البلاد من جديد في نفق مظلم لم تخرج منه إلاّ سنة 1987 غداة التغيير الحاصل في هرم السلطة وتولى الرئيس بن علي مقاليد الحكم. أما على المستوى التشريعي فلقد أعرب الرئيس بورقيبة عن نيّته إصدار مجلة للصحافة منذ الستينات إلاّ أن ذلك لم يتمّ إلاّ في 28 أفريل 1975 ولقد جاءت هذه المجلة لتكرس – قانونيا – النزعة المتصلبة لنظام الحكم هذه النزعة التي تبدو واضحة للعيان من خلال قراءة – ولو سريعة – لفصول مجلة الصحافة الأربعة والثمانين والتي تبدأ في أغلبها بلفظة ’’ يعاقب ’’ أو ’’ يجب ’’ أو ’’ يحجّر ’’، فلا غرابة إذن أن تتضمن عشرة فصول منها عقوبات بالخطايا وثمانية وعشرون فصلا لعقوبات بالسجن والخطية معا، أي في المجموع ثمانية وعشرون فصلا مخصّصة للردع والعقاب ممّا حدى بجلّ القوى السياسية والتنظيمات المهنية والشعبية بالبلاد إلى الوقوف ضد هذه المجلة التي كان البعض يرفض تسميتها بمجلة الصحافة ويطلق عليها ’’ مجلة العقوبات الصحفية ’’ فلا غرابة إنتحتل هذه المجلة مكانا بارزا ضمن بيان 7 نوفمبر 1987 إّ جاء على لسان الرئيس بن علي الذي تسلم أنذاك مقاليد الحكم ما يلي: ’’ ... وأننا سنعرض قريبا مشروع قانون للأحزاب ومشروع قانون للصحافة يوفران مساهمة أوفر وأنجع في بناء تونس ودعم إستقلالها.’’ ولم يطل افنتظار إّ بادرت السلطة السياسية الجديدة بإصدار القانون عدد 89 لسنة 1988 المؤرّخ في 2 أوت 1988 المنقح والمتمّم لمجلة الصحافة. وما تجدطر ملاحظته في خصوص هذا القانون هو تفضيل السلطة إتباع منهج إصلاحي مع مجلة الصحافة عبر الإكتفاء بتنقيحها جزئيّا على الرغم من أن بيان 7 نوفمبر وعد بمجلة جديدة. إلاّ أن هذا لا ينفي أن تنقيح 2 أوت 1988 تضمن عدّة نقاط إيجابية تمحورت بالخصوص حول مزيد تنظيم العمل بالمؤسّسات الصحفية وكذلك ضمان وجود تعدّدية فكرية على الساحة الصحفية مع توفير صيانة أ:بر لأخلاقيات المهنة.

لكن يبدو أن هذا التمشي التشريعي الإصلاحي مع مجلة الصحافة لم يحظ بموافقة الإعلاميين أنفسهم الذين لم يقتنعوا بتنقيح 2 أوت 1988 وتجندوا صلب جمعية الصحفيين التونسيين لمطالبة في كلّ فرصة تتاح لهم بإلغاء مجلة الصحافة ؟أو تنقيحها بصورة أكثر شمولية وفي إتّجاه تحريري أكبر . كما عاضدهم في هذا بقيّة التنظيمات المهنية والسياسية بالبلاد . ومـرة أخرى إستـجابت السلطة السياسية ونقحت للمرّة الثانية بعد ’’ التغيير ’’ مجلة الصحافة عبر القانون عدد 85 لسنة 1993 المؤرّخ في 2 أوت 1993.

وهذا التنقيح الأخير تضمّن بدوره عدّة نواحي إيجابية شملت بالخصوص الفصول المتعلّقة بجريمة الثلب بالإضافة إلى مزيد تنظيم الإجراءات المتعلقة بالإيداع القانوني وهو ما سنأتي عليه لاحقا.

يتّضح من خلال ما تقدّم في هذه المقدّمة أن جرائم الصحافة تنظمها مجلّة الصادرة في 28 أفريل 1975 والمنقحة بقانون 2 أوت 1988 مرّة أولى وبقانون 6 أوت 1993 مرّة ثانية. وعلى الرغم من النقاط الإيجابية العديدة التي تضمنها هذان التنقيحان فإن الطابع الزجري يبقى غالبا على فصول مجلّة الصحافة ممّا يؤشّر بوضوح على الحذر الذي لازم السّلطة السياسية التونسية في علاقتها مع الصحافة منذ نشأتها.

ولعلّه من المؤسف أن نشير في خاتمة هذه المقدّمة أن تشاريع ما قبل الإستقلال كانت أكثر تحرّرا ومراعاة لحريّة الصحافة على الرّغم من أنّ الظروف السياسية التي طبعت على تلك الفترة كانت في كل الأحوال أكثر حدّة وتأزّما عمّا شهدته البلاد بعد إستقلالها.

وفي خاتمة هذه الخلاصة هل نحن بحاجة إلى الإشارة أن وضع الصحافة ومدى ما تتمتع به من نفوذ وحريّة و إستقلالية كان دوما المعيار الأصدق لمعرفة ’’ محرار ’’ الوضع السياسي بالبلاد إّ كلما كان التضييق على الصحافة والتشريعات الصارمة إلاّ ورافقتها الأزمات السياسية والهزات الإجتماعية .

ويبقى لنا في الأخير أن نتساءل كرجال قانون : ماهي الأسباب والدوافع الحقيقية التي دفعت مشرع ما بعد الإستقلال إلى إنتهاج هذه السياسة الزجرية صلب مجلة الصحافة بمعنى ماهي المقاصد الخفية والمعلنة لهذا التجريم المبالغ فيه (الجزء الأول) ثمّ ماهي المآخذ القانونية التي أثيرت حوله (الجزء الثاني) ؟

الجزء الأول:

المقاصد التشريعية للتجريم

’’ ... إن إصلاح مجلّة الصحافة إلى جانب مراجعة الدستور وإصدار قانون للأحزاب السياسية يمثّل أحد التوجّهات التي تضمّنها بيان 7 نوفمبر التاريخي، ومن ثمّ فلزاما أن يكون التنقيح المزمع إدخاله مترجما عن روح هذا البيان وذلك بإقرار نظرة سليمة لحريّة التعبير وحريّة الصحافة ويتعيّن كذلك أن يأخذ بعين الإعتبار مقتضيات إقامة حياة ديموقراطية وإرساء تعدّدية حقيقية وأن يعمل على النهوض بقطاع الإعلام دون ترك المجال للديماغوجيا أو التسيّب لاسيما في هذه المرحلة الهامّة من حياتنا الديمووقراطية ’’ بهذه الفقرة المستمدة من التقرير المشترك بين لجنة الشؤون السياسية ولجنة التربية والثقافة والإعلام والشباب ولجنة التشريع بمجلس النواب وقع تقديم مشروع تنقيح مجلة الصحافة في 20 جويلية 1977 من طرف العضو المقرّر. وتكمن أهميّة هذا الإستشهاد في كونه أبرز لنا بطريقة واضحة المقاصد الحقيقية للمشرع التي يرمي إلى تحقيقها من ووراء سنّ قانون الصحافة والتي يكمن إختزالها في هدفين إثنين: أوّلا : وضع حريّة التعبير في ’ إطارها الصحيح ’’ أي الإطار الذي يلائم السياسة العامّة المنتهجة بالبلاد. ثانيا: تنظيم قطاع الإعلام تنظيما يحفظه من ’’ التسيّب والديماغوجيا ’’. هذه هي إذن المقاصد التي يرمي إليها المشرّع والتي يمكن بمقارنتها بالمقاصد المعلنة قبل حوالي عشرين سنة أن نتبيّن بدون عناء أنه على الرغم من تسجيل بعض التطوّر الحاصل في نظرة المشرّع إلى حريّة الصحافة فإننا لا نجد إختلافا جوهريّا في ’’ المقاصد ’’. ويكفي للتدليل على ذلك أن نراجع التقرير الذي قدم به مشروع قانون مجلّة الصحافة على ’’ مجلس الأمّة ’’ بجلسته المنعقدة في 22 أفريل 1975 لنجد نفس المعاني تقريبا. إذ جاء فيه ما يلي ’’...وقد أكّد مشروع القانون في فصله الأول حريّة الطباعة والصحافة وبيع الكتب حسب الشروط التي يضبطها القانون وتماشيا مع الفصل الثامن من الدستور غير أن هذه المجلّة تحمي أيضا قطاع الصحافة والنشر من الفوضى...ولم يغفل مشروع هذا القانون زجر كلّ من يروّج المناشير أو النصوص المكتوبة التي من شأنها أن تنال من المصالح العليا للأمّة. كما حمى الأفراد من كل أنواع القذف والشتم والثلب سواء كانت الأشياء المنسوبة إليهم صحيحة أو غير صحيحة...ويهدف مشروع هذا اللاقانون إلى حماية المجتمع من كلّ ما من شأنه أن يعكر صفو الأمن العام وسلامة المجتمع كما يحمي الدّوزلة والبعثات الأجنبية من كلّ ما يثير الإضطرابات الداخلية أو الخارجية...’’

إذن وإجمالا لا يمكن الجزم بأن مقصدين دفعا بالمشرّع التونسي لسنّ مجلة الىصحافة سنة 1975 وإلى إحاطتها بترسانة من الفصول الزجريّة مازال العديد منها ساري المفعول والتي جرّمت مجموعة من الأفعال يمكن أن ترتكب بمناسبة إصدار الصحف، وهذين المقصدين هما : تنظيم قطاع الأعلام (الفرع الأول) وحماية النظام العام (الفرع الثاني)، وقبل أن نخوض في تفصيل ما تقدّم يتعيّن أن نبدي ملاحظة منهجيّة تهمّ موضوع هذه المحاضرة التي إخترنا أن يتعلق بجرائم الصحافة إذ يتعيّن أن نبيّن أنّ بحثنا سيقتصر على الجرائم التي ترتكب بمناسبة إصدار الصحف ولن نتناول كلّ الجرائم التي جاءت بها مجلّة الصحافة والتي قد ترتكب بمناسبة إصدار أو توزيع الكتب أو المناشير أو المقطوعات الموسيقية والتسجيلات الصوتية، وهذا الحصر هو منهجي ويقتضيه ضيق المجال.

الفرع الأول:

تــنظـيم القطـــاع

ممّا لاجدال فيه أنّ الأهميّة السياسية وحتّى الإقتصادية للإعلام في أيّامنا تشرع تدخل المشرع لتنظيم هذا القطاع بهدف حمايته من المؤثّرات الخارجية من جهة، ولحمايته من نفسه م جهة ثانية. وفي هذا الصدد يجدر بنا أن نتساءل عن المعيير المعتمدة من طرف المشرع التونسي لرسم الخطوط العريضة لهذه الحماية، ممّا يدفعنا لتحديد مفهوم قطاع الإعلام أصلا في بلادنا... فكما هو معلوم فإن الخلفية السياسية لنظام حكم ما، هي التي تحدّد توجّهاته الإقتصادية والإجتماعية وبالطبع الإعلامية، وبدون الخوض في في تحاليل معمقة لا يتّسع لها المجال حول طبيعة النظام السياسي التونسي ومتغيّراته ومؤثّراته يمكن لنا أن نجزم أن المنحى الليبرالي هو السمة الغالبة على توجه نظام الحكم عندنا غير أن هذا المنحى لم يمنع الدولة بالمقابل من الإحتفاظ بسلطة الإشراف على قطاعات ’’ إستراتيجية ’’ كالصحة والتعليم والنقل ... والإعلام.

فالدولة التونسية هي أكبر مشغّل للصحفيين بالبلاد وهي صاحبة أكبر عدد من الصحف بالإضافة إلى إحتكارها شبه الكلّي للفضاء الإعلامي السمعي البصري فهل يبيح لنا هذا أن نجزم أنّ قطاع الإعلام في بلادنا هو مرفق عام...؟ قطعا لا والدليل هو تواجد مجموعة لا بأس بها من دور الصحف الخاصة ممّا يؤكّد أن الإعلام بتونس هو أيضا مرفق خاص. والأكيد أن هذا المرفق الخاص هو المعني أساسا بأغلب فصول مجلة الصحافة التي تهدف إلى تنظيمه و ’’ تحصينه ’’ من المؤثّرات السلبيّة و’’ الإنحرافات ’’ بإعتبار أنه لا خوف على الإعلام الرّسمي الذي تحتفظ الدولة بالسيطرة المطلقة على دواليبه. ولتفكيك هذا ’’ التنظيم ’’ لقطاع الإعلام يمكننا الإعتماد على التصنيف التالي.

أولا : التنظيم الوقائي : ونعني به التنظيم الذي يسبق مرحلة النشر.

ثانيا : التنظيم الردعي : والمقصود به هي جملة من التدابير الردعية التي تنظم سير عمل المؤسّسات الإعلامية.

أوّلا – التنظيم الوقائي للإعلام:

إعتمد المشرع لتحقيق هذه ’’ الوقاية ’’ على أداتين هما الوصل القانوني والإيداع القانوني.

أ‌- الوصل القانوني:

وهو الإجراء المنصوص عليه صلب افصلين 13 و 14 من مجلة الصحافة اللّذان جاءا فيهما ما يلي:

1/ عنوان النشرية الدورية ومواعيد صدورها 2/ إسم مدير النشرية الدورية ولقبه، جنسيته ومقره. 3/ المطبعة التي ستطبع بها. 4/ اللغة أو اللّغات التي ستحرّر بها 5/ مكان وعدد التسجيل في الدفتر التجاري. 6/ أسماء وألقاب ومهن ومقرّات أعضاء مجلس الإدارة أو الهيأة المديرة وبصفة عامّة مسيري الذات المعنوية. وكل تغيير يدخل على البيانات المذكورة أعلاه يعلم به في ظرف الخمسة أيّام الموالية. ويضاف إلى هذا الإعلام:
-  مضمون من السجل العدلي للمدير يرجع تاريخه إلى أقل من ثلاثة أشهر.
-  ما يثبت إتمام الموجبات القانونية الخاصّة بالتأسيس إّا كان الأمر يتعلق بشركة وتحييل وزارة الداخلية على وزارة الإعلام وعلى وكالة الجمهورية نظائر مع التنصيص على جميع الوثائق المدلى بها من طرف المعني بالأمر’’. كما جاء بالفصل 14 جديد من نفس المجلّة ما نصه ’’ قبل نشر أيّ نوشرية دورية يجب على صاحب المطبعة أن يطلب بالوصل المسلم من طرف وزارة الداخلية والذي يجب أن لا يكون مرّ على تاريخ تسليمه أكثر من سنة ’’. هذه إّن إجراءات وشروط الحصول على الوصل القانوني الذي لا يجوز بدونه ان يتولّى صاحب المطبعة طبع أيّة نشريّة دوريّة. إلاّ أن هذه الإجراءات البسيطة والشكلية في ظاهرها أسالت حبرا كثيرا، وكانت حجر الزاوية في إنتقادات المناهضين لمجلة الصحافة من إعلاميين وغيرهم منذ صدورها نظرا لما شكّلته في التطبيق من تعقيدات لتصبح إجراءات أقل ما يقال فيها تعجيزيّة. ويركز المناهضون لمجلة الصحافة عامة وللفصل 13 خاصّة إنتقاداتهم على الغموض المقصود في رأيهم لهذا الفصل ممّا أتاح سلطات واسعة للإدارة ممثلة في وزارة الدّاخلية خرجت بها من نطاق صلاحياتها كسلطة تنفيذية وهو ما سنأتي عليه بأكثر تفصيل في الجزء الثاني من هذه المحاضرة.

ب – الإيداع القانوني:

وهو الإجراء المنصوص عليه صلب الفصول 2 و 12 م.ص التي تخضع بمقتضاها إجراء الإيداع القانوني كل المصنفات المطبوعة بجميع أنواعها من كتب ونشريّات دورية ومجلّدات ورسوم ومنقوشات مصورة وبطاقات بريدية مزينة بالرّسوم ومعلقات وخرائط جغرافية ونشريّات وتقارير ومجلاّت وغيرها، وكذلك كل التسجيلات الموسيقية والصوتية والمرئية والصور الشمسية والبرامج المعلوماتية التي توضع في متناول العموم. ويتمثّل هذا الإجراء كما يتّضح من تسميته في إيداع الناشر أو متولّي الطبع أو المنتج أو الموزع حسب الحالات لأيّ نوع من الإنتاجات الفكرية والفنية الوارد تعدادها أعلاه لدى عدد من المصالح العمومية بهدف حفظها كمنتوج ثقافي وطني يمكن الرجوع إليه عند الحاجة وهو إجراء معمول به في بقية البلدان نظرا لأهميّته في حفظ الذاكرة الجماعية لشعب ما. غير أن المشرع التونسي يفرق في إجراءات الإيداع بين الدوريات (صحف، مجلاّت، نشريّات...) وغير الدوريات (كتب، تسجيلات صوتية...) فبالنسبة للدوريات ينصّ الفصل 8 (الجديد) على أن الإيداع يتمّ من طرف متولي الطبع في نظيرين لدى وكالة الجمهورية المختصة ترابيّا وفي خمس نظائر لدى وزارة الداخلية وفي ثلاثة عشر نظيرا لدى كتابة الدولة للإعلام (يخصّص منها نظيرا لمجلس النواب وأربعة نظائر إلى المكتبة الوطنية ونظيران لمكتب التوثيق القومي). أمّا في ما يتعلّق بغير الدوريات فإن الإيداع يتمّ كذلك من طرف متولي الطبع في نظير واحد لدى وكالة الجمهورية المختصة ترابيا وفي سبعة نظائر لدى وزارة الثقافة (يخصص أحد هذه النظائر لمجلس النواب ونظيرا إلى وزارة الدّاخلية وأربعة نظائر للمكتبة الوطنية). وإذا كان الأمر يتعلق بمقطوعات موسيقية أو تسجيلات صوتية موسيقية تمّ إنتاجها أو أعيد إنتاجها بالبلاد التونسية فالإيداع يكون من قبل المنتج للمصنّفات الأخرى في نظير واحد لدى وكالة الجمهورية المختصة ترابيا وفي ستة نظائر لدى وزارة الثقافة (يخصص نظيرا لوزارة الداخلية وتخصّص أربعة نظائر للمكتبة الوطنية).

إنّ ومن خلال قراءة سريعة للفصل 8 يتّضح بجلاء أن الهدف من الإيداع القانوني ليس توثيقا فقط، إذ لو كان الأمر كذلك لإقتصر المشرع في تعداده للمصالح العمومية التي يتمّ فيها هذا الإجراء على المكتبة الوطنية والمركز التوثيقي القومي بالنسبة للمطبوعات وعلى مركز الموسيقى العربية المتوسطية فيما يتعلق بالتسجيلات الموسيقية إذن ما هو دخل وكالة الجمهورية المختصة ترابيا وكتابة الدّولة للإعلام ووزارة الدّاخلية في هذا الإجراء ’’ التوثيقي ’’ .. ؟ ثمّ لماذا عمد المشرع إلى تعميم هذا الإجراء على المطبوعات بجميع أنواعها ولم يستثن سوى المطبوعات الإدارية والتجارية والمطبوعات المدنية وبطاقات الإنتخاب ورسوم القيم المالية والتي يضبطها الأمر الصادر بتاريخ 8 جوان 1988. وتبدو الإجابة بديهية وهي رغبة المشرع في إخضاع جميع ما يتمّ طبعه وتسجيله من إنتاج فكري وفني إلى الرقابة المسبقة بواسطة الإيداع القانوني الذي أصبح أداة وقاية لتنظيم القطاع حسب المعايير التي تظبطها الإدارة وفقا للتوجّه العام للسلطة، إذ بإمكان وزارة الدّاخلية بعد إستشارة كتابة الدولة للإعلام أن تتولّى حجز المطبوع الذي يحتوي مثلا على ’’ أخبار من شأنها تعكير صفو الأمن العام ’’ للتولّى وكالة الجمهورية في مرحلة ثالثة تحريك الدّعوى العمومية ضد المسؤول عن ’’ المطبوع المتهم ’’ وإحالته على القضاء الجزائي وهذه الأطراف الثلاثة – وزارة الداخلية – كتابة الدّولة للإعلام ووكالة الجمهورية – يتمّ وجوبا إيداع المطبوعات وغيرها بمصالحها مما يجعلها في حلّ من البحث بمفردها عن " أدلة الإدانة " بما أن الإيداع يمكّنها من أن تكون أول من يطّلع على ما يصدر حتّى تتمكّن من إتّخاذ الإجراءات الوقائية في صورة ’ المخالفة ’.

ثانيا – التّنظيم الردعي للإعلام

كما سبق ذكره فإن المقصود بالتنظيم الرّدعي للإعلام هي جملة التدابير الردعية التي تجرّم عددا من الأفعال التي قد ترتكب أثناء سير المؤسّسة الصحفية وذلك بهدف تنظيم سير عمل المؤسّسات الإعلامية حماية للقطاع من كلّ ما من شأنه أن يحيد به عن أهدافه الأصلية. ومعظم هذه التدابير معمول به في أغلب البلدان بما فيها تلك التي تمتلك تقاليد ديموقراطية ومؤسّسات صحفية عريقة كالولايات المتحدة وفرنسا وبريطانيا، بإعتبار أنه لا مكان للحريّة المطلقة للصحافة في أيّ مكان من العالم. ويمكن إجمالا تلخيص المقاصد التشريعية من هذه التدابير فيما يخصّ التشريع التونسي في أربعة محاور رئيسية وهي :
-  منع إحتكار الصحف
-  إكساء الشفافية على تسيير المؤسّسات الصحفية.
-  المحافظة على أخلاقيات المهنة الصحفية.
-  الرفع من مستوى المهنيين.

أ‌) منع إحتكار الصحف:

وهو من ضمن التدابير العديدة التي جاء بها تنقيح 2 أوت 1988 وبالتحديد صلب الفصل 15 (جديد) م.ص. الذي جاء فيه أنه يمكن لشخص واحدا سواء كان ماديا أو معنويا ان يملك أو يدير أو يتحكم على أقصى تقدير في نشريتين دوريتين ذات صبغة إخبارية جامعة تكون لها نفس دورية الصدور وزيادة على ذلك لا يمكن أن يكون السحب الجملي للدوريات التي يملكها أو يديرها أو يتحكّم فيها شخص واحد وفقا للأحكام الواردة في الفقرة الأولى أعلاه متجاوزا لثلاثين بالمائة من السحب الجملي للدوريات ذات الصبغة الإخبارية الجامعة المنشورة بالبلاد التونسية والتي لها نفس دورية الصدور وتبدو الغاية من هذا المبدأ الجديد في مجلة الصحافة الذي عارضته جمعية مديري الصحف واضحة وهي ضمان وجود فضاء إعلامي تعدّدي بالبلاد إجتناب إحتكار الرأي العام بتنظيم ملكية العناوين الصحفية بشكل لا يخوّل للشخص الواحد المادي أو المعنوي تملّك أكثر من عنوانين من نفس النوع ونفس الدورية وعدم تجاوز السحب لهذين العنوانين نسبة 30 % من مجموع سحب العناوين المماثلة .

ب)إكساء الشفافية على تسيير المؤسسات الصحفية :

جاء بالفصل 18 (جديد) م.ص. ما يلي : ’’ يجب أن تقوم كل نشرية دورية بتعريف العموم بأسماء من يمارسون إدارتها وزيادة على ذلك يجب على كل نشرية دورية أن تنصّ على عدد النسخ التي تسحبها عند كل إصدار. كما يجب عليها من ناحية أخرى نشر موازنتها السنوية وحسابات التصرف ونتائجها قبل غرّة جويلية من السنة الموالية للسنة التي أنجزت أثناءها هذه العمليات ويتعرض المخالف لهذه الأحكام لخطية من مائة إلى ألف دينار عن كل عدد يطبع بصورة غير مطابقة لهذه الأحكام’’. ظاهريا يبدو المقصد الأساسي من الفصل 18 (جديد) جبائيّا، إلاّ أن المقصد الحقيقي في الواقع السياسي، ولد أفصح عنه كاتب الدّولة للإعلام في تقديمه لمشروع القانون أمام مجلس النواب حين ذكر ’’ ...إن نشر الموازنة المالية السنوية للمؤسّسات الصحفية من شأنه أن يمنع الإلتجاء إلى التمويلات غير المشروعة داخلية أو خارجية ’’. كما أن الغاية من نشر رقم السحب واضحة وهي تمكين الإدارة من تطبيق الأحكام المتعلقة بتجميع الصحف. أما عن وجوبيّة نشر رقم السحب فإن هذا من شأنه أن يمنع مغالطة القراء حول مدى رواج الصحيفة سيما وأن الأمر له أهميّة خاصّة فيما يتعلّق بتعريفة الإعلانات الإشهارية التي يختلف ثمنها بإختلاف نسبة السحب.

كما إقتضى الفصل 16 (جديد) وجوبيّة أن يكون مدير الجريدة صاحب أغلبيّة رأسمال المؤسّسة في حين جرّم الفصل 19 إعارة إسم الصحيفة بأيّ طريقة كانت، وهي كلها تدابير يهدف المشرع من وراءها إلى قطع الطريق أمام التمويلات غير المشروعة التي تهدف إلى تحويل الصحف ’’ لأبواق دعاية ’’ لمجموعات الضغط المختلفة.

ج- المحافظة على أخلاقيات المهنة :

ممّا لاشكّ فيه فإن نبل وخطورة رسالة الإعلام تفرض على رجالاته التحلّي بأخلاقيات تنأى بهم عن الإنحرافات الماسة بجوهر هذه الرسالة، لذا جرّم المشرع عددا من الممارسات السلبية في القطاع الإعلامي الصحفي ’’ بيع قلمه’’ لجهات أجنبية وهي

الجريمة المنصوص عليها بالفصل 22 م. ص الذي حجّر على مسيّري الصحف والمشتغلين فيها قبول أية منافع بصورة مباشرة أو غير مباشرة عن شخص مادي أو معنوي أجنبي الجنسية بغير وجه قانوني. ولقد شدّد الفصل 22 على عقوبة مرتكب هذه الجنحة بالسجن من عام واحد إلى خمسة أعوام وبخطيّة من 200 إلى 2000 دينار . غير أن السؤال الذي يطرح نفسه في هذا الموضع هو لماذا نصّ المشرع على عقوبة من يقبل منافع من شخص أجنبي فقط، والحل أن هذه الجريمة قد تتوفّر أركانها ومخاطرها كذلك في صورة قبول مدير الصحيفة أو الصحفي منافع من شخص تونسي مادام ركن سوء النية متوافرا ؟.

كما جرّم الفصل 23 (جديد) نشر الإعلانات الإشهارية المقنعة في قالب مقالات صحفيّة ونصّ على أن كل إشهار في قالب مقال يجب أن تسبقة أو تعقبه إشارة (إشهار) أو إشارة (بلاغ) كما أوجبه تقديمه في شكل يميّزه بوضوح عن بقيّة المقالات أمّا الفصل 23 مكرّر فإنه نصّ على أن كل مقال مستعار كليّا أو جزئيّا في لغته الأصلية أو مترجما عنها يجب أن يكون مصحوبا ببيان مصدره. و إعتبر مخالفة هذه الأحكام إنتحالا يعاقب صاحبه بخطية من 100 إلى 1000 دينار. وعلى الرغم من أهمية هذه الأحكام التي جاء بها تنقيح 2 أوت 1988 بمعظمها فإنها تبقى في نظرنا غير كافية لتوفير صيانة حقيقية وناجعة لأخلاقيات المهنة الصحفية وكان أولى بالمشرع أن يتبنى كليا أو على الأقل معظم فصول ’’ ميثاق شرف الصحفي ’’ الذي وضعته جمعيّة الصحفيين التونسيين وصادق عليه منخرطوها بالجلسة العامّة المنعقدة بتاريخ 08 ماي 1983 والذي أبرز ضمن فصوله الثلاثة عشر مبادئ أساسية أخرى كإحترام السرّ المهني وعدم تشويه الأحداث والمسؤولية تجاه القارئ وغيرها من المبادئ المستوحاة من ’’ ميثاق الشرف ’’ للجامعة الدولية للصحفيين المصادق عليه خلال ندوتي براغ وباريس سنة 1983 .

د- الدفع من مستوى المهنيين :

كما جاء تنقيح 2 أوت 1988 بإجراء جديد كان من ضمن مطالب الأسرة الإعلامية وهو إشتراطه صلب الفصل 15 (جديد) أن تشغّل كل نشريّة دوريّة ذات صبغة إخبارية جامعة عددا من الصحافيين المهنيين من حاملي البطاقة المهنية القومية أو من أصحاب الشهائد الجامعية في الصحافة وعلوم الأخبار أو ما يعادلها – وأوجب الفصل 15 (جديد) أن يكون عدد هؤلاء المحترفين أو حاملي الشهائد معادلا على الأقل لثلث فريق التحرير – وعلى الرغم من إيجابية هذا النصّ فإنه يبقى في رأينا غير كاف بالمرّة لتحقيق الرفع المأمول لمستوى المهنيين لعدّة إعتبارات لعلّ أهمّها أن المشرّع إشترط أن يكون ثلث فريق التحرير القار من حاملي البطاقة المهنية القومية التي تسلمها لجنة بكتابة الدّولة للإعلام لم يشترط على المترشّح لنيل هذه البطاقة أيّ حدّ أدنى من المستوى العلمي غذ يكفي أن يتقدّم المترشّح بما يفيد قبوله كصحفي قار بإحدى المؤسّسات الإعلامية للحصول على هذه البطاقة التي يعرّف القانون الذي ينظمها الصحفي المحترف بأنه من يحصل على معظم دخله من الصحافة فقط، ولعلّ هذا ما يفسّر الإحتجاجات التي رفعتها جمعيّة الصحافيين التونسيين تجاه معايير إسناد هذه البطاقة بعد أن ثبت أن عددا هامّا من غير المهنيين الحقيقيين يتحصّلون عليها، ولقد وصلت هذه الإحتجاجات إلى حدّ إنسحاب الكاتبة العامّة للجمعيّة سنة 1991 من عضوية اللّجنة. أما على مستوى التطبيق فلقد فقد الفصل 15 (جديد) كل معناه إذ صبحت المؤسّسات الإعلامية أكثر حرصا من ذي قبل على إرسال قائمة بصحافييها ’’ المهنيين ’’ إلى لجنة إسناد البطاقة لاغير. أما أصحاب الشهادات العلمية من الصحفيين فإن عددهم بقي دون النصف بكثير حسب آخر إحصائيّات كتابة الدولة للإعلام نظرا لضعف الحوافز المادية التي توفرها لهم بنود الإتفاقية المشتركة للصحافة مقارنة مع نظرائهم في القطاعات الأخرى كإدارة التعليم بالخصوص، هذا من جهة، ولعزوف المؤسّسات الصحفية عن إنتدابهم نظرا ’’ لإرتفاع أجورهم ’’ وتخيير هذه المؤسّسات الإعتماد على المتعاونين من جهة ثانية بحجة أن الصحفي لا تصنعه الشهادات العلمية وإنما التجربة – ولد إنعكس هذا الوضع سلبيا على الفضاء الإعلامي ببلادنا، وهو في رأينا السبب المباشر لهبوط مستوى العديد من صحفنا وخاصّة الأسبوعيات منها التي غالبا ما نجد في رئاسة تحريرها ’’ صحفي محترف ’ وحيد مجبر لملء صفحات جريدته على الإعتماد على مجموعة من المتعاونين من الطلبة والقراء المغرمين بالكتابة الصحفية وبعض العاطلين عن العمل من الشباب الجامعي أو التلاميذ الذين لم يسعفهم الحظ بإتماما دراستهم. كما أن سؤالا هامّا يطرح نفسه فيما يخصّ الفص 15 (جديد) وهو : لماذا إشترط المشرّع أن يكون ثلث فريق التحرير فقط من المهنيين أو حاملي الشهادات والحال أن هذه النسبة لا تكفي البتّة لضمان إنتاج صحفي من مستوى مقبول ؟.

كما أن سكوت المشرّع عن تقنين الأداة الكفيلة بمراقبة إحترام أخلاقيات المهنة صلب المؤسّسات الصحفية يبقى من ضمن الثغرات الكبرى بالمجلة سيما أن عديد البلدان بما فيها الشقيقة (الجزائر منذ مجلة الصحافة لسنة 1988) قد أقرّت بوجوبيّة تشكيل ’’ هيئات تحرير ’’ صلب المؤسّسات الصحفية يعهد إليها وحدها مهمة رسم الخط العام للجريدة والمحافظة عليه تفاديا للضغوطات التي قد يمارسها صاحب رأس المال على الصحفيين. وتتكوّن هيئات التحرير عادة من العاملين بالمؤسّسات من إعلاميين مع ممثل من الإدارة. ولازالت الأسرة الصحفية ببلادنا تطالب بتقنين وجود هذه المجالس إلاّ أن المشرع لم يستجب بعد.

الفرع الثاني:

المحافظة على النظام العام

لعلّه يجدر بنا في البدء أن نحدّد مفهوم النظام العام مع التحاشي الخوض في تحاليل قانونية معمّقة حول هذا المصطلح الذي يعتبره فقهاء القانون من ضمن المصطلحات العامّة ’’ Une notion fleuve ’’ التي تتشعّب منها عشرات المفاهيم والمشتقات الأخرى كالنظام السياسي والنظام العام الدولي... وحتّى نتوخّى التبسيط سنكتفي بالقول بأن المقصود بالنظام العام في دولة ماهو حسب غالب الفقهاء الكيان السياسي والإجتماعي والإقتصادي لهذه الدولة، بما يقوم عليه هذا الكيان من معتقدات سياسية تتعلق بالأمن والحريّة والديموقراطية ومعتقدات إجتماعية تتعلق بالمساواة أمام القانون أو إحترام أفكار دينيّة أساسية معينة أو عقائد مذهبيّة كالإشتراكية والرأسمالية أو نحوها من المذهب والأفكار الإقتصادية كالعدالة الإجتماعية وتكافؤ الفرص وغيرها .

ولقد أفردت مجلة الصحافة قسما كاملا (القسم الثاني من الباب الرابع) للجنح المرتكبة ضد النظام العام إلاّ أن إقتصار هذا القسم من المجلة على بعض الجنح دون غيرها كجنحة النيل من كرامة رئيس الدولة ونشر أخبار زائفة م شأنها تعكير صفو الأمن العام يجعله منقوصا إن إعتبرنا أن النظام العام مفهوم أشمل يمكن أن يدخل في تصنيف الجرائم المرتكبة ضدّه بواسطة الصحافة مجموعة أخرى من الأفعال الوارد تعدادها بمجلة الصحافة في أقسام أخرى كالثلب والمسّ من الهيئات الرسمية والشعائر الدينية والبعثات الديبلوماسية ألخ... وكلّها أفعال يهدف المشرّع من تجريمها لحماية ’’النظام العام ’’ بمفهومه الواسع سواء ممثلا في المؤسّسات – أ – أو في الأشخاص – ب-

أ‌- حماية المؤسّسات:

تأتي رئاسة الجمهورية على رأس مؤسّسات النظام الجمهوري التي تحظى بحماية المجلّة من كل ما من شأنه أن يمسّ بهذه المؤسّسة الدستورية، وللغرض نصّ الفصل 48 م.ص. على عقاب كل من ينال من كرامة رئيس الجمهورية بواسطة الصحافة بالسجن من عام إلى خمسة أعوام وبخطيّة من 1000 إلى 2000 دينار. كما إستوجب نفس الفصل عقابا بالسجن من ثلاثة أشهر إلى عامين وبخطية من مائة إلى ألفي دينار ضد كل من يتعمد النيل من كرامة رئيس مجلس النواب او أحد أعضاء الحكومة أو إحدى الشعائر الدينيّة المرخص فيها. أما الفصل 49 م.ص فلقد جنّح نشرو ترويج الأخبار الزائفة والأوراق المصطنعة أو المدلّسة المنسوبة للغير ونصّ على عقوبة في شأنها بالسجن من شهرين إلى ثلاثة أعوام وبخطيّة من 100 إلى 2000 دينار مشترطا لتوفير أركان الجريمة ثبوت سوء نيّة مرتكبها وتعكير – أو ما من شأنه تعكير صفو الأمن العام.

وعلى غرار رئيس الدولة ورئيس مجلس النواب وأعضاء الحكومة أفردت مجلة الصحافة ’’ حصانة ’’ خاصّة برؤساء الدّول والأعوان الديبلوماسيين الأجانب (القسم الرابع) إذ إستوجب الفصل 59 عقابا بالسجن من ثلاثة أشهر إلى عام واحد وبخطيّة من 120 إلى 2000 دينار ضد كل ما يمسّ من كرامة رؤساء البعثات وغيرهم من الأعوان الديبلوماسيين المعتمدين لدى الحكومة التونسية (الفصل60). وتعتبر مجلة الصحافة التونسية من المجلاّت القلائل التي تنصّ على مثل هذه الحصانة التي لم نجد لها أثر في مجلتي الصحافة بالجزائر لسنة 1982 و 1990 وكذلك بالمجلّة المصريّة المحدثة بمقتضى القانون عدد 148 لسنة 1980 ولا بـقانون الصحـافة والمطبوعات الأردني المـؤرّخ في 1-2-1967.

هذا ولقد شدّد تنقيح 2 أوت 8891 لمجلة الصحافة صلب الفصل 44 جديد على عقوبة من يدعو بواسطة الصحافة والنشر للتباغض بين الأجناس أو الأديان أو السكان أو إلى نشر أفكار قائمة على الميز العنصري أو التطرف الديني (بالسجن من شهرين إلى ثلاثة أعوام وبالخطية من 1000 إلى 2000 د) أما الفصل 54 (جديد) فإنه إستوجب من ناحيته عقابا بالسجن لمدّة أقصاها عام وبالخطية 1200 دينار ضد من يرتكب الإعتداء بالشتم بواسطة الصحافة أو النشر نحو جمع من الأشخاص ينتسبون من حيث أصلهم إلى جنس أو دين معيّن وبقصد التحريض على التباغض بين المواطنين أو المتساكنين.

ب‌- حماية الأشخاص :

تجلت هذه الحماية من خلال تجريم المشرع للثلب (أولا) ونشر الأعمال القضائية (ثانيا) والشتم بواسطة الصحف (ثالثا).

هي قطعا ’’ أشهر أولا : جريمة الثلب : ’’ جرائم الصحافة، فتاريخيا لم تخل كل النصوص التشريعية التي عرفتها بلادنا من عقاب الثلب بداية الأمر العلي لسنة 1884 الذي خصّص له خمسة فصول، مرورا بالأمر العلي لسنة 1956 (ثماني فصول) ثمّ إلى مجلة الصحافة لأفريل 1975، كما أن هذه الجريمة كانت بدورها حجر الزاوية في إنتقادات المناهضين لمجلة الصحافة لأسباب سنأتي عليها بالتفصيل خلال الجزء الثاني، فلا غرابة إذن أن يخلو التنقيحات اللّذان شهدتهما مجلة الصحافة تباعا في أوت 1988 ثمّ أوت 1993 من حيز هام لجريمة الثلب.

* مفهوم الثلب :

عرّف الفصل 50 م.ص. الثلب بأنه ’’ كل إدّعاء أو نسبة شيء بصورة علنية من شأنه أن ينال من شرف أو إعتبار شخص أو هيأة رسمية وإعلان ذلك الإدّعاء أو تلك النسبة بصورة مباشرة أو بواسطة النقل يعاقب مرتكبه حتّى ولو وقع ذلك في صيغة الإحتمال أو كان يقصد به شخص أو هيأة رسمية لم تقع تسميتها صراحة على أن الإهتداء إليها ييسره فحوى العبارات الواردة في الخطب أو النداءات أو التهديدات أو الكتابات أو المطبوعات أو المعلّقات أو الرسوم أو الإعلانات المطعون فيها’’. إلاّ أنه وعلى الرغم من الطول النسبي للفصل 50 فإن مفهوم الثلب بقي غير محدّد بطريقة واضحة ممّا تطلب تدخل فقه القضاء ممثلا في محكمة التعقيب التي إشترطت ثبوت ركن تعمد التشهير حتّى تتوفّر جريمة الثلب كما إعتبرت المحكمة العليا أنه " ليس من الضروري لقيام جريمة الثلب أن يكون المعتدي عليه معينا بالإسم وإنما يكفي أن تكون عبارات الثلب موجهة بصورة يسهل معها فهم الشخص المقصود منها . أما في التطبيق فلقد إنعكس هذا الغموض التشريعي على إحالة النيابة العمومية لأغلب المتّهمين في قضايا لها علاقة بالصحافة بتهمة الثلب ووسيما وأن محكمة التعقيب سايرت المشرّع في هذا الغموض وقامت بتأويل النصّ تأويلا واسعا ممّا زاد في " لا شعبية " هذه الجريمة لدى أوساط الإعلاميين والقوى المهنية والسياسية المختلفة وممّا زاد في تعقيد الأمر هو تفريق المشرع في تحديده للعقاب المسلط على المتهم بالثلب بين الأشخاص الذين يشغلون مناصب سياسية وبين بقية المواطنين أو ما أسماهم بالخواص كما منح هؤلاء ’’ المسؤولين ’’ حصانة إضافية فيما يتعلّق بإثبات الثلب.

عقوبة الثلب :

إستوجب الفصل 51 م.ص. عقوبة بدنية قاسية بالسجن من عام إلى ثلاثة أعوام وبخطية من 120 إلى 1200 دينار ضد من يتعمد ثلب النظام العام والدوائر القضائية وجيوش البرّ والبحر والجو والهيئات الرسمية والإدارات العمومية، كما نصّ الفصل 52 (جديد) على نفس العقوبة ضد مرتكب الثلب نحو أحد أعضاء الحكومة أو مجلس النواب أو موظف عمومي مكلف بمصلحة أو بنيابة عمومية أو شاهد من أجل أداء شهادته، أما مرتكب الإعتداء بالثّلب ضدّ الخواص فغن الفصل 53 يتوعده بعقوبة بالسجن من 16 يوما إلى ستّة أشهر وبخطية من 120 إلى 1200 دينار كما شدّد الفصل 53 على عقوبة مرتكب الإعتداء بالثّلب على جمع من الأشخاص ينتسبون من حيث أصلهم إلى جنس أو دين معيّن، (بالسجن من شهر إلى عام وبخطية من 120 إلى 1200 دينار).

* إثبات الثلب :

أمام المعارضة الشديدة التي رفعتها عديد التنظيمات المهنية والسياسية ضد أحكام الثّلب إستجاب المشرّع لرغبة هذه التنظيمات في تعديل بعض الأحكام الخاصّة بإثبات الثّلب نظرا لما شكّلته في السابق من عائق أمام حريّة التعبير سيما إذا تعلّق الأمر بمؤسّسة وطنية أو بمسؤول يتحمّل مهمّة تسيير مصالح المجموعة، إذا كانت مجلة الصحافة في السابق تحيطهم بحصانة لمنع أيّ نقد أو إتّهام موجّه إليهم حتّى ولو كان مدعّما، وكان على الإعلاميين إنتظار تنقيحي أوت 1988 وأوت 1993 اللّذان جاءا بتعديلات مهمّة وإيجابية فيما يتعلّق بالثّلب الموجّه ضد ’’ السّلط ’’ التي أصبح بإمكان الصحفي توجيه أصابع إليها على شرط تقديم أدلة إدانته وهو ما نصّ عليه الفصل 52 (جديد) من المجلّة الذي يستثني من العقاب مرتكب الثلب الذي وقع إثباته ضد أحد أعضاء الحكومة أو مجلس النواب أو موظف عمومي أو صاحب سلطة عمومية أو عون من أعوانها أو مواطن مكلّف بمصلحة أو بنيابة عمومية سواء كانت وقتية أو مستمرّة أو شاهد من أجل أداء شهادته على شرط أن يكون موضوع الثّلب متعلّقا بصفة أو خطّة الشخص المقصود...

أما الفصل 57 (جديد) فإنه أجاز إثبات الثّلب بالطرق الإعتياديّة ونصّ على أنه يمكن الإدلاء بالحجّة المضادة وإذ ثبت موضوع الثلب يوقف التتبع إلاّ أنه إستثنى من مجال إثبات الثّلب المتعلّق بالحياة الخاصّة للشخص وكذلك إذا كان الأمر المنسوب يتعلق بأمور مرّ عليها أكثر من عشرة أعوام أو بجريمة إنقضت بالعفو أو بالتقادم أو بعقوبة شملها إسترداد الحقوق.

ثانيا : تحجير نشر الأعمال القضائية :

وهو التحجير المنصوص عليه بالفصلين 63 و 64 م. ص. اللّذان منعا نشر قرار الإتّهام وغيرها من الأعمال المتعلقة بالإجراءات الجزائية قبل تلاوتها في جلسة عمومية ويعاقب مرتكب ذلك بخطيّة من 120 إلى 1200 دينار، ويسلّط نفس العقاب على من ينشر بطريقة النقل مهما كانت الوسائل لاسيما بالتصوير الشمسي أو النقوش المصورة أو رسوم الأشخاص أو الأفلام، كل أو بعض الظروف المحيطة بإحدى الجرائم أو الجنح المنصوص عليها بالفصوول 201 إلى 240 من المجلة الجنائية، بيد أنه ليس هناك جريمة إذ كان النشر قد وقع بناء على طلب كتابي صادر عن الحاكم المكلّف بالتحقيق ويضاف المطلب المذكور لملف التحقيق العدلي، كما حجّر المشرع الإعلام بأيّة قضية من قضايا الثّلب وكذلك المداولات المتعلّقة بقضايا ثبوت النسب والطّلاق والإجهاض. وعلى الرغم من أهميّة هذه الأحكام في الحفاظ على سمعة الأشخاص وعلى حسن سير القضاء إلاّ أنه وللأسف نلحظ في التطبيق أن هذه الأحكام لمجلّة الصحافة هي أقلّها حظّا من حيث الحرص على إحترامها من طرف السّلطة التنفيذية إذ لا وجود لحدّ علمنا لدعوى عمومية تمّ تحريكها من طرف النيابة العمومية ضدّ صحيفة خرقت أحكام الفصلين 36 و 64 في حين تخصذص اليوميات والأسبوعيات التونسية صفحات كاملة لما تعارف عليه ’’ بصدى المحاكم ’’ التي لا يتورّع محرّروها على نشر نسخ حرفية لمحاضر الشرطة وقلم التحقيق بالإضافة إلى القرارات والأحكام القضائية بمختلف درجاتها مع صور المتّهمين أو الضحايا بأسمائهم وحتى عناوين في أحيان كثيرة وكلنا يذكر ما كان لـ ’’ صدى المحاكم ’’ من دور فعّال في التأثير على الرّأي العام في عدد من ’’ القضايا الشهيرة ’’ لا يتذسع المجال لحصرها حتذى أصبحت حديث الشارع ومنحتها أبعادا طالت بمؤثّراتها حتذى السّلط القضائية التي ’’ سايرت التيار ’’ وإقتصر دورها على تزكية قرار الإدانة الذي أصدره الشارع ونشرت الصحف ’’ نصّ الحكم وحيثياته ’’ والقضية في طور البحث ولنا في قضية ’’ الناصر الدمرجي الذي أطلقت عليه الصحف لقب سفاح نابل ’’ أبرز مثال على ذلك إذ قضت الدّائرة الجنائية المتهعّدة بإعدامه رافضة حتّى عرضه على الفحص الطبّي’’.

ثالثا : جريمة الشتم :

يعتبر الفصل 54 (جديد) م.ص. شتما ’’ كل عبارة تنال من الكرامة أو لفظة إحتقار أو سبّ لا تتضمن نسبة شيء معيّن ’’. وعلى غرار بقيّة أحكام المجلّة شدّد المشرع على عقوبة من يعتدي بهذه الوسيلة على أشخاص من ممثلي الهيآت الرسمية (بالسجن من 16 يوم إلى ثلاثة أشهر و بالخطيّة من 120 إلى 1200 دينار) وعلى مرتكب الإعتداء بالشتم نحو جمع من الأشخاص ينتسبون من حيث أصلهم إلى جنس أو دين معيّن (بالسجن عام واحد والخطية بـ 1200 دينار) و إستثنى المشرّع من العقاب مرتكب الإعتداء بالشتم ضدّ الأموات ’’ إلاّ في الصور التي يقصد فيها الإعتداء على شرف أو إعتبار الورثة أو الأزواج أو العاصبين الذين هم بقيد الحياة ’’ وهو إستثناء غريب إذ ما الموجب من إباحة شتم الأموات بحجّة أنه لم يبق على قيد الحياة أحد من أقاربهم يدفع عنهم هذا. ثمّ إن الشتم وعلى الرّغم من المفهوم الفضفاض الذي ورد له بالفصل 54 يبقى في جميع الحالات أمرا غير محمود، ولا نكاد نجد من مبرّر لهذا الإستثناء سوى رغبة المشرّع في إكساء شيء من اللّيونة على أحكام مجلة غالبا ما تنتقد لطابعها الزجري.

الجزء الثاني:

المآخذ القانونية على التجريم

’’ ... إن الأحكام الواردة بقانون الصحافة لسنة 1975، تقدم مبرّرات تجاوز هذا القانون وطرح مشروع بديل عنه إذ قد أضحى معلوما بالضرورة إن قانون 1975 يتميّز على الأقل بخاصيتين رئيسيتين :

أولاهما : إمعانه المفرط في الزجريّة فهو قانون زجري بالدرجة الأولى. وثانيهما : تعارضه الواضح مع حريّة الصحافة المكفولة دستوريا ممّا يؤدّي إلى تأكيد عدم دستوريته، فهو بالتالي قانون لا دستوري...’’

بهذه الككلمات إختزل الأستاذ رضا الأجهوري أهم المطاعن القانونية المثارة من طرف رجال القانون حول مجلة الصحافة التي إعتبروا عددا كبيرا من أحكامها مخالفا للدستور (الفرع الأول) ولقواعد القانون الجزائي العام (الفرع الثاني).

الفـرع الأول:

جرائـم الصحافـة والـدستـور

’’ قانون الصحافة غير دستوري ’’ وصف كثيرا ما سمعناه يطلق على مجلة الصحافة من طرف المناهضين لها يساندهم في ذلك فقهاء القانون و إخصّائيوه الذي خلصوا إلى أن عددا من الأحكام الواردة بالمجلة هي مخالفة للروح وأحيانا حتّى لنصّ الدستور التونسي المصادق عليه في جوان 1959 والذي تجمع كافة التنظيمات السياسية والمهنية... بالبلاد على نزعته التحريرية وتلح في المطالبة بتطبيق أحكامه خاصّة في مجال الحريّات الأساسية الفردية منها والعامّة. أمّا عن أوجه الطعن في دستورية قانون الصحافة فإنها تهمّ بالأساس موضوع هذه المحاضرة أي تجريم المشرّع لعدد من الأفعال التي قد ترتكب بمناسبة إصدار الصحف والنشر بأنواعه من غير مراعاة روح الدستور التونسي وأحكامه فكيف ذلك ؟

أ- جرائم الصحافة والحريّات الدستورية :

يضمن الدستور خاصّة في ديباجته وصلب الفصل الثامن عددا من الحريّات الأساسية مؤكّدا على حرمتها كحرية الرّأي والتعبير والتنظّم... إلخ. وأوكل للقانون ضبط طرق تمتيع المواطنين بهذه الحقوق على غرار بقيّة التشريعات بإعتبار أن الدساتير لا يمكن أن تتضمّن أحكاما ترتيبيّة لا تتّسع لها. غير أنّه ولئن كانت عديد الدساتير الأجنبية قد أقرّت وجود هيكل مراقبة بإمكانه التصريح بلا دستورية أي قانون يعرض وجوبا عليه، فإن مثل هذا الهيكل في بلادنا ’’ المجلس الدستوري ’’ لا يزال ذا صبغة إستشارية بحتة ممّا مكّن السلطة السياسية من إصدار عدد من القوانين اللاّدستورية لمساسها بحقوق مكفولة دستوريا كما هو الشأن بالنسبة لمجلة الصحافة التي يعتبرها الكثير تتعارض مع الفصل 8 من الدستور الذي يصرّح أن ’’ حريّة الفكر والتعبير والصحافة والنشر و الإجتماع و تأسيس الجمعيات مضمونة وتمارس حسبما يضبطه القانون ’’، ويقدّم أصحاب هذا الرّأي عديد الأمثلة على تحديد مجلة الصحافة حريّة الفكر والنشر والصحافة سنقتصر على البعض منها : إجراءات الحصول على وصل الإعلام : (الفصل 13 مجلة الصحافة) في الظاهر تبدو غاية المشرع من تقنين وصل الإعلام واضحة، وهي إعلام الإدراة بصدور الدورية، وظاهريّا كذلك، يقتصر دور وزارة الدّاخلية على تسليم القائم بالإعلام – مدير النشرية – وصلا يفيد حصول هذا الإجراء، إلاّ أن ما سكت عنه الفصل 13 هو هل أن وزارة الداخلية مجبرة على تسليم الوصل بصفة آلية مقابل الإعلام أم لا ...؟ أما في التطبيق فإن هذا السكوت إنعكس سلبا على حريّة إصدار الصحف بإعتبار أن وزارة الدّاخلية أصبحت لا تسلّم الوصل إلاّ لمن تشاء وتمنعه عن من تشاء. كما أنه – وفي التطبيق دائما – حين يتوجّه مدير النشرية للقيام بإجراءات التسجيل التجاري يطالب بوصل الإعلام في حين أن الفصل 13 يقضي وجوب التنصيص في الإعلام على مكان وعدد التسجيل في الدفتر التجاري. فما هو الإجراء الأسبق يا ترى الوصل أم التسجيل بالدفتر التجاري ؟

وهذا إستحال وصل الإعلام الإجراء الشكلي في ظاهره إلى رخصة مسبقة بيد الإدارة ممثلة في وزارة الداخلية، ولقد أحسن الأستاذ رضا الأجهوري تصوير إنعكاسات هذا الغموض في التطبيق حين كتب يقول ’’... غير أنه بين الإعلام والوصل هناك إجراءات لا بدّ من القيام بها، أقل ما يمكن أن توصف به أنها إجراءات تعجيزية تجعل كل راغب في إصدار جريدة أو مجلة يرتع في دائرة مفرغة لا سبيل للخروج منها إلاّ برضى من بيده السلطان...’’ ويضيف ’’ ... لقد تضمن الفصل 13 المذكور والمتعلّق بتقديم الإعلام إلى وزارة الدّاخلية وجوب التنصيص صلب هذا الإعلام على عدّ بيانات إلزامية أكثرها لا موجب له سوى إثقال الكاهل والتثبيط وبالتالي إنقطاع الأمل في الحصول على الوصل وأهم هذه البيانات وأشدّها عرقلة هو ما نقرؤه في هذه الفقرة من موجب التنصيص على مكان وعدد التسجيل في الدفتر التجاري... والتسجيل بالدفتر التجاري إنما هو متوقف على الإستظهار بالباتيندة وأيضا على الإستظهار بالوصل الذي تسلّمه وزارة الدّاخلية عقب تقديم الإعلام، وهذا الوصل متوقف بدوره على ذكر مكان وعدد التسجيل في الدفتر التجاري، ومن هنا تبدو مسيرة الركض بين الدفتر التجاري والوصل...’’ وللتدليل على وجاهة إنتقادات المناهضين للفصل 13 يكفينا أن نعلم أن أصواتا من داخل السلطة التشريعية نفسها نادت بمراجعة هذا الفصل إذ جاء في تقرير لجنة التربية والثقافة والإعلام والشباب بمناسبة تقديم مشروع تنقيح مجلّة الصحافة في أوت 1988 ما يلي : "...عقدت اللّجنة جلسة يوم الإثنين 27 جوان 1988، برئاسة السيد محمد بولبيار ونظرت في مشروع هذا القانون على ضوء وثيقة شرح الأسباب وأحكام فصول هذا المشروع والدراسات المقدمة في هذا الشأن، ودار نقاش حول تنقيح مجلة الصحافة على إثره تقمت اللّجنة إلى الحكومة بجملة من الأسئلة والإقتراحات التالية : السؤال الثالث : لم يتعرض الفصل 13 من مجلة الصحافة إلى سكوت الإدارة عن مطلب الترخيص في إصدار النشرية الدورية، واللّجنة تتساءل عن موقف الحكومة في هذا المجال وتقترح القياس بقانون الأحزاب بحيث يعتبر السكوت بإنقضاء أجل 4 أشهر قبولا للطّلب...’’

ولعلّه من الأهمية بمكان الإشارة إلى أن هذه الإحترازات للسّلطة التشريعية نفسها تجاه الفصل 13 م.ص. ليست بالجديدة أو تحت تأثير التوجّه الجديد لنظام الحكم بعد تغيير السابع من نوفمبر 1987، إذ سبق لنواب ’’ مجلس الأمّة ’’ أن أبدوا نفس الإحترازات منذ أفريل 1975، بمناسبة مناقشة مشروع قانون إصدار مجلة الصحافة. وفي ردّه على تدخّلات النواب الذين أثاروا هذه النقطة، أماط السيد كاتب الدّولة اللّثام عن الغاية الحقيقية من سنّ الفصل 13 حين أجاب بقوله : ’’ ... وفيما يخصّ تسليم الوصل فقد بيّن السيد كاتب الدولة أن الموضوع شائك، وأن تسليم الوصل ليس فوريا وقد تحاشى المشرّع أن يثبت الرّخصة المسبقة وخيرا تسليم الوصل بعد التحرّي إذ أن هذا التحرّي هو من مصلحة الناشر، فمثلا عندما يطلب مواطن تونسي إصدار جريدة ما، فإن وزارة الدّاخلية تطلب حسب النصّ الجديد رأي كتابة الدولة للإعلام التي بدورها تتحرّى في هذا اطّلب حتّى لا تصدر صحيفتان بإسم واحد كما تتحرى في مستوى الصحيفة ومستوى صاحبها وبعد إستيفاء جميع التحريّات التي هي في جلّها فنيّة يقع تسليم الوصل وليس هنا ما يدعو إلى الخشية أو إلى الخوف من الإشكال ’’

ت‌- جرائم الصحافة خرق للمبادئ الدستورية :

* مبدأ التفريق بين السّلط :

المنصوص عليه صلب ديباجة دستور 1959ن التي تنصّ أن نظام الحكم جمهوري يعتمد التفريق بين السّلط، إلاّ أن المتمعن في السلط التي منحتها المجلة للإدارة أو بالأحرى للسلطة التنفيذية ممثلة في وزارة الدّاخلية يلحظ بدون عناء أن الإدارة تتعدّى بأشواط كبيرة دورها التنفيذي لتصبح في أحيان كثيرة سلطة قضائية، فهي التي ’’ تراقب ’’ مدى أهلية المواطنين لإصدار الصحف بدون أدنى مراقبة قضائية من طرف هؤلاء للطّعن في القرارات الناصة على رفض تسليم ’’ الوصل ’’ وكيف يتمّ الطّعن في قرار غير مكتوب وغير معلوم بصفة ماديّة وقانونية ؟ ممّا يدفعنا للقول بأن مثل هذه الصلاحيات تفوق حتّى صلاحيات السّلطة القضائية التي يتمّ التداعي لديها على درجتين مع توفير عديد الضمانات الأخرى كالحق في الدفاع وعلانية المحاكمة ... الخ. كما أن المتمعن في الصلاحيات التي يمنحها الفصل 25 الذي جاء فيه ’’ يمكن أن يحجر بالبلاد التونسية بقرار من وزير الداخلية بعد أخذ رأي وزير الإعلام نشر أو إدخال أو جولان المؤلّفات الأجنبية الدورية وغير الدورية ’’ يعتريه الذهول من تمتع السيد وزير الداخلية بمثل هذه السلطة التي لا يمكن إعتبارها سوى من باب الوصاية الفكرية التي قد يسمح بممارستها على القصر أو الأطفال الصغار الذين يجوز في بعض الحالات مراقبة ما يقرؤون ... أما تعميم هذه الوصاية على شعب بأكمله !

* مبدأ المساواة بين المواطنين :

خرق هذا المبدأ المنصوص عليه صلب الفصل السادس من الدستور يتجلّى بكلّ وضوح في إجراءات الحصول على ’’ الوصل ’’ ونظرا لغياب أحكام المجلة المنظمة لها من أيّة ضمانات ممّا ترك الباب واسعا أمام الإدارة التي أصبحت تختار من تشاء لتمتيعه بحقّ إصدار النشرية وتمنع هذا الحق على من تشاء كما سبق توضيحه هذا من جهة، كما أن إشتراط الفصل 13 للحصول على وصل الإعلام عددا من الشروط ’’ التعجيزية ’’ بالنسبة لشرائح واسعة من المواطنين كإشتراطه أن يكون مدير النشرية متمتعا بحقوقه السياسية والمدنية والحال أن أعدادا كبيرة من المثقفين والسياسين محرومين من هذه الحقوق نتيجة صدور أحكاما قضائية بالإدانة ضدهم أغلبها بمقتضى قانون الجمعيات أو الصحافة.

ب – جرائم الصحافة خرق للمبادئ الدستورية :

* مبدأ التفريق بين السّلط :

المنصوص عليه صلب ديباجة دستور 1959 التي تنصّ أن نظام الحكم جمهوري يعتمد التفريق بين السّلط، إلاّ أن المتمعّن في السّلط التي منحتها المجلة للإدارة أو بالأحرى للسّلطة التنفيذية ممثلة في وزارة الدّاخلية يلحظ بدون عناء أن الإدارة تتعدّى بأشواط كبيرة دورها التنفيذي لتصبح في أحيان كثيرة سلطة قضائية فهي التي ’’ تراقب ’’ مدى أهلية المواطنين لإصدار الصحف بدون أدنى مراقبة قضائية من طرف هؤلاء للطّعن في القرارات الناصة على رفض تسليم ’’ الوصل ’’ وكيف يتمّ الطّعن في قرار غير مكتوب وغير معلوم بصفة مادية و قانونية ؟ ممّا يدفعنا للقول بأن مثل هذه الصلاحيات تفوق حتّى صلاحيات السّلطة القضائية التي يتمّ التداعي لديها على درجتين مع توفير عديد الضمانات الأخرى كالحق في الدفاع وعلانية المحاكمة ... إلخ. كما أن المتمعّن في الصلاحيات التي يمنحها الفصل 25 الذي جاء فيه ’’ يمكن أن يحجر بالبلاد التونسية بقرار من وزير الداخلية بعد أخذ رأي وزير الإعلام نشر أو إدخال أو جولان المؤلفات الأجنبية الدورية وغير الدورية ’’ يعتريه الذهول من تمتع السيد وزير الدّاخلية بمثل هذه السلطة التي لا يمكن إعتبارها سوى من باب الوصاية الفكرية التي قد يسمح بممارستها على القصر أو الأطفال الصغار الذي يجوز في بعض الحالات مراقبة ما يقرؤون ... أما تعميم هذه الوصاية على شعب بأكمله !

* مبدأ المساواة بين المواطنين :

خرق هذا المبدأ المنصوص عليه صلب الفصل السادس من الدستور يتجلّى بكلّ وضوح في إجراءات الحصول على ’’ الوصل ’’ ونظرا لغياب أحكام المجلة المنظمة لها من أيّة ضمانات مما ترك الباب واسعا أمام الإدارة التي أصبحت تختار من تشاء لتمتيعه بحق إصدار النشرية وتمنع هذا الحق على من تشاء كما سبق توضيحه هذا من جهة، كما أن إشتراط الفصل 13 للحصول على وصل الإعلام عددا من الشروط ’’ التعجيزية ’’ بالنسبة لشرائح واسعة من المواطنين كإشتراطه أن يكون مدير النشرية متمتعا بحقوقه السياسية والمدنية والحال أن عددا كبيرا من المثقفين والسياسيين محرومين من هذه الحقوق نتيجة صدور أحكاما قضائية بالإدانة ضدهم أغلبها بمقتضى قانون الجمعيات أو الصحافة. * جرائم الصحافة والمواثيق والمعاهدات الدولية : كما هو معلوم فإن المواثيق والمعاهدات الدولية المصادق عليها من طرف الجمهورية التونسية لها رتبة تفاضلية على القوانين حسب منطوق الفصل 32 من الدستور، الذي جاء فيه ’’ المعاهدات لا تعد نافذة المفعول إلاّ بعد المصادقة عليها، والمعاهدات المصادق عليها بصفة قانونية أقوى نفوذا من القوانين ’’. وذلك نظرا لما تجسده هذه المواثيق والمعاهدات من طابع إنساني وبعد شمولي عالمي، هذا ولقد بادرت الحكومة التونسية بعد تغيير السابع من نوفمبر إلى المصادقة على مجموعة كبيرة من هذه المعاهدات المكرسة لحقوق الإنسان بالخصوص بينما إقتصرت في السابق على عدد قليل منها في حين صادقت بإحتراز على بقية أخرى.

ويأتي الميثاق العالمي لحقوق الإنسان والمصادق عليه من طرف الجمعية العامة للأمم المتحدة يوم 10 ديسمبر 1948، على رأس المواثيق الدولية المصادق عليها من طرف الدولة التونسية منذ إستقلالها ويعتبر الفصل 19 من هذا الميثاق حجر الزاوية في حماية حرية الفكر والتعبير إلى درجة أن منظمة عالمية غير حكومية أنشئت تحت هذه التسمية بهدف حماية سجناء الرأي والتعبير في العالم كله وهي منظمة تحظى بتقدير دولي كبير.

أما عن محتوى الفصل 19 من الميثاق فإنه كما يلي ’’ لكل شخص الحق في حرية الرأي والتعبير ويشتمل هذا الحق حريّة إعتناق الآراء دون أي تدخل و إستقاء الأنباء والأفكار، وتلقينها وإذاعتها بأية وسيلة كانت دون تقيد بالحدود الجغرافية ’’ وفي نفس السياق وحفظا لنفس الحقوق جاء في المادة السابعة من ’’ إعلان مبادئ التعاون الثقافي الدولي ’’ الصادر عقب المؤتمر العام لمنظمة الأمم المتحدة للتربية والثقافة والعلوم ’’ الألسكو’’ والصادر يوم 4 نوفمبر 1966، ما يلي :

أولا : يشكل نشر الأفكار والمعارف على نطاق واسع وعلى أساس من التبادل والمواجهة بأكبر قدر من الحريّة، أداة جوهرية للنشاط الإبداعي والبحث عن الحقيقة وتفتح ملكات الإنسان.

ثانيا : على التعاون الثقافي أن يبرز الأفكار والقيم التي من شأنها، توفير مناخ صداقة وسلام، وأن يستبعد جميع مظاهر العداء في المواقف وفي التعبير عن الأراء، ويكفل لنشر المعلومات وعرضها طابق الصدق.’’

كما جاء بالميثاق الدولي الخاص بالحقوق الإقتصادية والإجتماعية والثقافية والمصادق عليه من قبل الجمعية العامة للأمم المتحدة يوم 16 ديسمبر 1966 وبالتحديد في مادته الخامسة عشر ما يلي : أولا : تقر الدول الأطراف في هذا الميثاق بأن من حق كل فرد : أ‌- أن يشارك في الحياة الثقافية.

ب- أن يتمتع بفوائد التقدم العلمي وبتطبيقاته. ج- أن يستفيد من حماية المصالح المعنوية والمادية الناجمة عن أي أثر علمي أو فني أو أدبي من صنعه.

ثانيا : تراعي الدول الأطراف هذا الميثاق في التدابير التي ستتخذها بغية ضمان الممارسة الكاملة لهذا الحق، وأن تشمل تلك التدابير التي تتطلبها صيانة العلم والثقافة وإنماءهما وإشاعتهما.

ثالثا : تتعهد الدول الأطراف في هذا الميثاق بإحترام الحريّة التي لا غنى عنها للبحث العلمي والنشاط الإبداعي. وهكذا يتّضح جليا أنه لا مكان لعديد الفصول الزجرية واللادستورية بمجلة الصحافة لتعارضها الصريح مع روح هذه المعاهدات الدولية التي ترفض مصادرة حرية الصحافة والرقابة المسبقة واللاحقة، وتحجر محاكمة الأراء والأفكار والمعتقدات وتلاحق ناشريها متوعدة إيّاهم بعقوبة بدنية قاسية. وكل هذه الأحكام نجدها للأسف الشديد بمجلة الصحافة صلب العديد من فصولها. لعل أخطرها الفصول 12 و 13 و 14 و 25 و 44 و 45 و 48 و 49 و 50 و 51 و 52 و 53 و 54 و 56 و 57 و 59 و 60 و 61 و 62 و 63 .

الجزء الثاني :

جرائم الصحافة وقواعد القانون الجزائي

كما هو الشأن بالنسبة للدستور والمعاهدات الدولية تمثل مجلة الصحافة في العديد من أحكامها خرقا واضحا لمبادئ القانون الجزائي العام التي نجدها ضمن المجلة الجنائية أو مجلة الإجراءات الجزائية أو الدستور.

أولا : خرق مبدأ شرعية الجرائم والعقوبات : هو مبدأ وحق دستوري ضمنه الفصل 13 من دستور 1959 الذي ينصّ أنه لا عقوبة إلاّ بنصّ وزاد في شرحه شراح القانون وفقه القضاء. أمّا عن آثاره فهي إلزام المشرع علاوة على تحديد عقوبة واضحة لكل جريمة بتعريفها تعريفا من شأنه رفع كل غموض يحتمل قد يحيط بتفسيرها ويمكن الجزم بأن مجلة الصحافة زاخرة بالخروقات الواضحة لهذا المبدأ الجزائي العام، إذ غفل المشرّع عن تعريف مفاهيم وجرائم عديدة صلب المجلّة لعلّ أهمّها ثلب النظام العام والإعتداء على الأخلاق الحميدة والحثّ على التباغض بين الأجناس وخرق قوانين البلاد ونشر أفكار قائمة عن الميز العنصري أو التطرّف الديني... إلخ، ممّا المجال واسعا للسلطة السياسية لتأويل هذه المفاهيم كما تشاء في حين أن ما يعتبر اليوم ثلبا للنظام العام قد يعتبر غدا شجاعة أدبية وإنارة للرأي العام كما أن الشتم الموجه نحو جميع من الأشخاص ينتسبون من حيث أصلهم إلى جنس أو دين معيّن كان في السابق يعدّ إلتزاما بقضايا الأمّة ودفاعا عن كرامتها.

ثانيا : خرق مبدأ علانية التقاضي وحق الدّفاع

يتجلّى هذا الخرق صلب الفصل 37 م.ص. بالخصوص إذ ينصّ أنه في صورة حصول تتبّعات يمكن للمحكمة التي تنظر في الأصل بعد سماع الأطراف المعنية وفي ثمانية أيّام إن تبتّ بحجرة الشورى في توقيف الدورية موضوع التتبع لمدّة لا تتجاوز الستة أشهر ويكون القرار الذي تتّخذه المحكمة قابلا للتنفيذ الوقتي والإستئناف. ولعلّ أخطر ما في هذا الفصل هو تنصيصه على تنفيذ قرار التوقيف مع النفاذ العاجل دون مراعاة ما إذا كان ’’ المتّهم ’’ قد تولّى إستئناف القرار أم لا . علما بأن القاعدة القانونية تقتضي أن الإستئناف يوقف التنفيذ و لا يستثني المشرّع إلاّ الحالات الخطرة التي يكون فيها الخطر ملم ناتج عن عدم تنفيذ القرار فورا، وهو ما لا يمكن بحال أن يحصل في صورة تواصل صدور جريدة وقع تتبعها قضائيّا.

ثالثا : خروقات أخرى. لعل أبرزها عدم تفريق المجلّة بين المحاولة والتنفيذ في كل الجرائم المنصوص عليها صلبها فكما هو متعارف عليه تفرق النصوص الجزائية بين المحاولة والتنفيذ وتنصّ على عقاب خاصّ بكل واحد منهما بحكم أنه من المعايير الأساسية لتحديد العقوبة قيمة الضرر المادي و المعنوي الناتج عن الجريمة، لذا يختلف عقاب المحاولة التي عادة ما يكون الضرر الناتج عنها معدوما أو على الأقل لا يرتقي إلى إستيفاء الجريمة لكل مقوماتها عن عقاب الجريمة الكاملة فعقاب السرقة أشدّ من عقاب محاولة السرقة وعقوبة محاولة القتل أهون بكثير من عقوبة القتل. ويبقى السؤال مطروحا لماذا هذا الإستثناء بمجلة الصحافة ؟ كما أن مجلة الصحافة لا تفرق كذلك بين الشريك والفاعل الأصلي في أغلب المواضع ونفس ما سبق ذكره فيما يتعلق بالمحاولة والتنفيذ يجوز سحبه على عدم التفريق بين الشريك والفاعل الأصلي.

رابعا : موقف فقه القضاء

بدءا نسوق ملاحظة عامة حول موقف فقه القضاء التونسي ملخصها أن ’’ حساسية ’’ جرائم الصحافة ومدى إرتباطها بالوضع السياسي العام بالبلاد حرمتها من معاينة أي إجتهاد للسلطة القضائية في الموضوع، كما أن دورها في بلورة عديد المفاهيم والنصوص الواردة بالمجلة يكاد يكون معدوما. أما عن الأمثلة التي سنوردها على سبيل الذكر فإنه يتّجه التوضيح أن إختيارها كان بمحض الصدفة لا غير.

* القضية التحقيقية عدد 1/53491 المحكمة الإبتدائية بتونس 25 جوان 1986 : أحالت النيابة العمومية في هذه القضية مدير وصحافيين من جريدة المستقبل الناطقة بلسان حركة الديمقراطيين الإشتراكيين لمقضاتهم من أجل تهم نشر الأخبار زائفة من شأنها تعكير صفو الأمن العام و ثلب النظام العام والهيئات الرسمية والإدارات العمومية طبقا للفصول 42 و 48 و 49 و 50 و 51 و 52 و 68 من مجلة الصحافة فماذا ورد في جريدة المستقبل ؟

جاء في إفتتاحية لسان حركة الديموقراطيين الإشتراكيين ما يلي :

’’ تعيش تونس منذ محاولة تدجين المنظمة النقابية بطرق إنقلابية تصعيدا متزايدا للقمع الموجّه خاصّة لحركات المعارضة وكأن السلطة السياسية لم تعتبر بالأزمات التي عرفتها البلاد آخر الستينات ’’ كما ورد بالصفحة الثانوية للجريدة بلاغ للحركة جاء في ’’ ... وقد واجهت السّلطة هذه المسيرة التضامنية (المقصود هي المسيرة التي إنتظمت بعد العدوان الأمريكي على ليبيا) بأعنف أساليب الضرب والتشتيت والقمع، إذ ندّد بهذه الممارسات الإرهابية الشرسة والسعي إلى تهميش وضرب تحركات المنظمة الوطنية للإتحاد العام التونسي للشغل و إعتقال أمينه العام الأخ المناضل الحبيب عاشور ومحاكمة إطاراته ومواصلة السعي إلى تدجين قيادته ... ’’ وفي مقال ثان للأستاذ عبد الفتاح عمر تحت عنوان ’’ تعالوا نفكر في المستقبل ’’ جاء فيه ’’ ... تصعيد القمع الموجه ضد التنظيمات والأحزاب السياسية يبدو وكأنه أصبح وسيلة للحكم وغاية له في آن واحد ’’.

هذه إذن مقتطفات من المقالات ’’ المتهمة ’’ فكيف كان موقف السيد عميد قضاة التحقيق المتعهد بالقضية ؟

نقرأ في قرار ختم البحث المحرّر من طرف السيد العميد ما يلي: ’’ وحيث ثبت من الإطّلاع على المقالات الواردة بالعددبن 189 و 190 أن المتهمان إسماعيل بولحية ومحمد هشان بليش أذنا بنشرها بالرغم من تضمّنها الصريح لثلب النظام العام والهيئات الرسمية والإدارات العمومية لما تنسبه إليهم من إدّعاءات بأنهم يمارسون الحكم بواسطة الإرهاب والتعسف وأساليب الكبت والممارسة اللاّديموقراطية وذلك من شأنه أن يمسّ من إعتبارهم وشرفهم الأمر الذي يتّجه معه مآخذة المتهمين الأول بوصفه مدير التحرير والثاني بوصفه رئيس التحرير لجريدة المستقبل من أجل ثلب النظام العام و الهيآت الرسمية والإدارات العمومية طبق الفصول 42 و 48 و 49 و 50 و 51 و 52 و 68 من قانون الصحافة المؤرّخ في 28/04/1975.

وحيث تعمد المتهمان إسماعيل بولحية وهشام البليش نشر مقالات عن سوء نيّة تتضمّن أخبارا زائفة بخصوص موت الطالب عثمان بن محمود التي تدّعي أنه أغتيل من طرف قوّات الشرطة كذلك الأخبار بتدخل قوات الأمن بالجامعة التونسية والمبيتات والإدّعاء بأن عددا كبيرا من الطالبات والتلاميذ تضرّروا من وحشية الإرهاب وهو ما من شأنه أن يعكّر صفو النظام العام ويدخل البلبلة على المواطنين الأمر الذي يكوّن ضدهما جريمة نشر أخبار زائفة عن سوء نيّة من شأنها تعكير صفو النظام العام طبق الفصول 42 و 49 و 68 و 69 من قانون الصحافة. نصرح بذلك ونقرر إحالة المتهمين على المجلس الجناحي بتونس لمحاكمتها من أجل ..." * القضية التحقيقية عدد 1/4766 المحكمة الإبتدائية بتونس بتاريخ 6 جانفي 1983 : أحالت النيابة العمومية السيد محمد بن الحاج عمر بوصفه مدير جريدة ’’ الوحدة ’’ لسان حركة الوحدة الشعبية بتهمتي نشر أخبار زائفة والنيل من رئيس الجمهورية. وذلك بعد نشر جريدة الوحدة للخبر التالي : ’’ طالعتنا إحدى الصحف اليومية يوم غرة ديسمبر 1982 في صفحتها الأولى بصورة تمثل أحد أعوان الأمن وهو يتلقى وساما أنه أحد الجلادين البارزين في ما سمي بسلامة أمن الدولة يعرفه جيّدا كل المساجين السياسيين الذي أوقفوا من أجل نشاطهم السياسي، وفي الوقت الذي ما فتئ الرأي العام الديموقراطي ببلدنا يطالب منذ سنتين ونصف بإجراء تحقيق في ممارسة التعذيب أثناء الإيقاف التحفظي ومحاسبة المسؤولين عنه، في هذا الوقت بالذات يوسم أحد أبرز المسؤولين عن هذه الممارسة القروسطية التي كان ضحيتها العديد من المناضلين السياسيين والنقابيين الصادقين الذي مارسوا حقوقهم السياسية والنقابية المشروعة...’’ أما عن قرار ختم البحث الممضى من طرف السيد قاضي التحقيق المتعهّد بالملف فإننا نقرأ فيه ما يلي :

’’ حيث تضمن الفصل 50 من مجلة الصحافة تفسير جريمة الثلب بأنه كل إدّعاء ونسبة شيء بصورة علنية من شأنه أن ينال من شرف أو إعتبار شخص أو هيئة رسمية وإعلان ذلك بصورة مباشرة يعاقب مرتكبه بما ورد بأحكام المجلّة ولو وقع الإعلان في صيغة الإحتمال ’’. وحيث يؤخذ من مفهوم ومنطوق الفصل المذكور أن أركان جريمة الثلب تتوفر بفعل ما ذكر بقطع النظر عن أن ما نسب للمثلوب كان واقعا وصحيحا من عدم ذلك. وحيث تأسيسا على ما تقدم فغن ما نشر بالمقال سالف التضمين من صورة لمحافظة الشرطة وكلام صريح لا لبس فيه موجه له مباشرة ناعتا إيّاه بالجلاد المعروف من البارزين في هذا الميدان ومع ذلك يقع توسيمه يوفر أركان جريمة ثلب موظف عمومي المنصوص عليها وعلى عقاب مرتكبها بالفصلين 51 و 52 من نفس المجلة ضد المتهم الذي أيّد نشره لذلك بإعتباره يعرف محافظ الشرطة معرفة شخصية وينسب له الأوصاف المذكورة.

وحيث يؤخذ بالدّلالة و الإستنتاج من روح المقال موضوع التتبع التلميح لإدارة الأمن التي تشغله بأنها مع معرفتها له (جلاد يعرفه الجميع) قدمته للتوسيم. تشجيعا له على تعذيب المساجين الأمر الذي يوفر ضد المتّهم جريمة ثلب إدارة عمومية المنصوص عليها وعلى عقاب مرتكبها بالفصلين المذكورين وبالفقرة الأخيرة من الفصل 50 السالف الذكر من أنه يؤخذ بصيغة الإحتمال في جرائم الثلب إعتمادا على ما ييسره فحوى العبارات.

وحيث أن الشأن كذلك بخصوص جريمة النيل من فخامة رئيس الجمهورية المنسوبة للمتهم فقد يستنتج من الإشارة إلى كون رئيس الدولة يوسم شخصا معروفا لدى الجميع بكونه جلادا توفر أركان هذه الجريمة.

وحيث أن إدانة المتهم من اجل الجرائم المذكورة ثابتة بإعترافه بنشر المقال المضمن عليه وبكونه يقصد نفس الشخص محافظة الشرطة الذي يعرفه شخصيا مع معرفته للسلك الذي ينتمي إليه.

وحيث أنّ ما أجاب به في هذا الشأن من أن الدافع الذي دفعه لنشر ما ذكر كان بسبب ما تعرض له من ممارسات التعذيب من طرف العون المذكور ومن أنه لا يقصد النيل من إدارة الأمن الوطني و لا النيل من رئيس الدولة ومن أن ما نشره بشأن ’’ حمادي زلوز ’’ كان من باب التساؤل عن أسباب إغتياله كل ذلك مردود بما سلفت الإشارة إليه و إتّجه التصريح بذلك بكونه هو المسؤول الأول عن الجريدة حسب الترتيب الوارد بالفصل 68 من مجلة الصحافة بدون إلتفات إلى ما ورد بتصريحات من تحميل المسؤولية لغيره معه و إتّجه التصريح بذلك.

ولهاته الأسباب : نصرح بكل ما تقدم ونقرّر إحالة المتهم محمد بن محمد بن الحاج عمر على المجلس الجناحي بتونس لمقاضاته من أجل النيل من كرامة رئيس الجمهورية وثلب موظف عمومي كثلب إدارة عموميّة ونشر أخبار زائفة وفق الفصول 42 و 48 و 49 و 51 و 52 و 72 من قانون الصحافة المؤرّخ في 28 أفريل 1975.


الصفحة الاساسية | الاتصال | خريطة الموقع | | News Admin| الإحصاءات | زيارة: 831011

متابعة نشاط الموقع ar  متابعة نشاط الموقع عربي  متابعة نشاط الموقع كتابات للأستاذ شوقي الطبيب   ?

Site réalisé par N@ros avec spip 2.0.3 + AHUNTSIC

Creative Commons License