الأستاذ شوقي الطبيب Me Chawki Tabib

أتعاب المحامي

الاربعاء 10 تشرين الثاني (نوفمبر) 2004 بقلم الأستاذة لمياء الشابي

أتعــــــاب المحـــامي

الأستاذة المحاضرة : لمياء الشابي

لأستاذان المشرفان على التمرين: جابر الشقراني تحية الزريبي قطران

السنة القضائية2006/2007

المخـطـــط
المقدمة
الفرع الأول : التحديد التشريعي لأتعاب المحامي
فقرة أولى : التحديد الإرادي لأتعاب المحامي أ- الإتفاق الشفاهي
ب- الإتفاق الكتابي
فقرة ثانية : تقييد حرية الإرادة المحدّدة لأتعاب المحامي
أ- مفهوم التقييد في القانون التونسي
ب- مفهوم التقييد في القانون الفرنسي
الفرع الثاني : التحديد القضائي لأتـعاب المحامي
فقرة أولى :خصوصيات قرار التسعيرة
أ- مفهوم قرار التسعيرة
ب- إجراءات التسعيرة
فقرة ثانية : الصعوبات التطبيقية للتسعيرة
أ- الجهة المختصة بتسعير أتعاب رئيس الفرع الجهوي
ب- التوجه القضائي في تحديد أتعاب المحامي
1- معيار أهمية الدعوى
2- معيار المجهودات المبذولة و الوقت المخصص من طرف المحامي
الخاتمة
قائمة المراجع

مــــقــــدمـــــــة

عرّف المشرع المحاماة بالفصل الأول من القانون عدد 87 لسنة 1989 المؤرخ في 7 سبتمبر 1989 المتعلق بتنظيم مهنة المحاماة، كمهنة حرّة مستقلة غايتها المساعدة على إقامة العدل. من خلال هذا التعريف التشريعي، يتأكد الدور المتميّز والجوهري للمحامي في إقامة العدل وذلك بوضع المنازعة أمام القضاء وتهيئتها للبت فيها مع تقديم العناصر الواقعية والقانونية للمحكمة. فالمحاماة مهنة متأصلة في المجد والنجدة الإنسانية. وهو ما جاء على لسان الأستاذ عبد الرحمان الرافعي (نقيب المحامين سابقا) في تقديمه لكتاب قضاة ومحامون ترجمة للأستاذ حسن جلال العروسي (محام): "إن المحاماة هي علم وأخلاق ونجدة وشجاعة، وثقة بالنفس وإستقلال في الحياة، وأمانة وإستقامة، وإخلاص في الدفاع". المحاماة، وخلافا لما يتصوّره البعض ليست مجرد علاقة مادية لاينظر فيها المحامي إلاّ لما ستدره عليه من نفع بل هذه العلاقة ينبغي أن تكون أعمق من ذلك. فليس الهدف من هذه المهنة تحقيق الكسب و الإغتناء فقط، ضرورة أن المبدأ في عمل المحامي هو نيل الشرف وخدمة العدالة ومساعدة صاحب الحق على أخذه. بالرجوع إلى تاريخ المحاماة يتبيّن أن المحامي أو الوكيل كما كان يلقب في الشرق كان يمارس مهنته بصورة منفردة وفي نطاق عائلي بلا أجر في الأصل. لكن وبعد مرور فترة زمنية معينة، أصبح واعتاد الخصوم أن يقدّموا للمحامين بعض الهدايا تشكّرا لهم وعرفانا بالجميل. ممّا هو جدير بالذكر أن المحامي لم يكن يعتبر نصائحه وإخلاصه في عمله ومثابرته كبضاعة أو سلعة يمكن تقديرها أو تثمينها بمقابل مالي. فالأجرة سواء عند تقديرها أو تقديمها هي إرادية عفوية، ضرورة أن المحامي يدافع عن موكله دون بسط مسألة الأتعاب لا قبل ولا بعد الخصومة. لكن هذا التصوّر التقليدي اضمحلّ تدريجيا وأصبحت المحاماة مهنة كغيرها من المهن الحرّة مورد رزق تخضع في ماهيتها لمنطق المردودية الإقتصادية والأعباء المادية نتيجة للتطوّر الحضاري والتمدن إلى جانب غلاء التكلفة المعيشية. لا شك أن هذه الأسباب ساهمت في إثقال كاهل المحامي بجملة من المصاريف والأعباء المالية، الأمر الذي أصبح من حقّ المحامي الحصول على أجرة لقاء أتعابه والجهد المبذول من طرفه. وفي المقابل فإن دفع أجرة المحامي أصبح أيضا واجبا على الموكل وإلتزاما محمولا عليه. هذا الإلتزام ليس إلتزاما طبيعيا أدبيا ـ أي لا يمكن فيه جبر الحريف على تنفيذه وإذا تمّ دفع الأجرة طوعا أو غلطا فإن الوفاء يعدّ صحيحا ولا يمكن استرداد ما وقع دفعه – بل هو إلتزام مدني مضمون بقوّة القانون و واجب تنفيذه ضرورة أنّه ثمرة إتفاق بين الطرفين. يمكن القول أنه نتيجة للتطوّر والتقدم الحضاري من ناحية، وتعميم التعليم وبلوغ فئات اجتماعية متوسطة الحال مراحل متقدّمة في التكوين العلمي والأكاديمي من ناحية أخرى، صارت المحاماة مألوفة عند جميع الطبقات الإجتماعية ولم تبق حكرا على العائلات العريقة التي تتوارثها ولا محصورة في الطبقات الميسورة. الأمر الذي أوجب تدخّل المشرع لتقنينها وتنظيمها بموجب قانون خاص يحدد حقوق المحامين وواجباتهم وكيفية إستخلاصهم للأتعاب وطرق المطالبة بها. من البديهي أن تؤدي كثرة عدد المحامين إلى طرح مشاكل مادية بأكثر حدّة، خاصة وأنّ مهام المحامي تتطلب توفير إمكانيات ووسائل مادية تساعده على القيام بدوره بأكثر فاعلية ودراية ذلك من تسويغ لمكتب يمارس فيه عمله ويستقبل فيه حرفاءه، دفع أجور مساعديه ، تنقلاته، تجديد المراجع القانونية وفقا للتطوّر التشريعي والفقه القضائي... إلى جانب الإلتزامات الجبائية المضنية. ما يمكن ملاحظته أن مسألة تحديد أتعاب المحامي وطرق إستخلاصها تعدّ مسألة جوهرية وعلى غاية من الأهميّة نظرا لصبغتها المعاشية. لذلك خصّها المشرع ضمن قانون 87 لسنة 1989 المنظم لمهنة المحاماة بجملة من النصوص محاولا من خلالها ضمان حقوق المحامي المادية. لا جدال أن مسألة تحديد أتعاب المحامي وطرق إستخلاصها مرتبطة شديد الإرتباط بعلاقته مع الحريف، وقد تركها المشرّع لحرية إختيار الطرفين أي أنها تخضع لمبدأ الحريّة التعاقدية. لكن هذه العلاقة تسوسها أيضا عدّة ضوابط عرفية وأخلاقية ذلك أنه يحجر على المحامي الجري وراء استجلاب الحرفاء أو إتخاذ وسطاء مأجورين بينه وبين الحريف. كما يمنع عليه القيام بأي أعمال إشهارية تجلب له الحرفاء ضرورة أن المحاماة تتنافى مع الإشهار لما فيه من مسّ بكرامتها وبتقاليدها النبيلة. لكن رغم الإستئناس بالتقاليد المتوارثة والضوابط القانونية المجسّمة في النصوص المنظمة بقانون المحاماة، فإن علاقة المحامي بحريفه لا تخلو من المشاكل والنزاعات خاصة ما تعلّّق منها بالأتعاب والدليل على ذلك تضخم عدد التسعيرات، الأمر الذي يؤكد تدهور علاقة المحامي بموكله وغياب الثقة و الشفافية في معاملتهما المتبادلة. وبناءا على ما سبق بسطه، فإن تناول موضوع أتعاب المحامي لا يمكن اقتصاره في دراسة الجانب الإرادي في تحديد الأجرة بل يتعداه إلى تحليل للإستخلاص القضائي. على هذا الأساس تناولت دراسة هذا الموضوع في فرعين أوّلهما التحديد التشريعي لأتعاب المحامي وفي فرع ثان التحديد القضائي لأتعاب المحامي.

الفرع الأوّل: التحديد التشريعي لأتعاب المحامي

خلافا للقانون عدد 37 المؤرخ في 15 مارس 1958 والمتعلق بضبط مهنة المحاماة، فإن قانون 1989 تعرّض لمسألة أتعاب المحامي بأكثر تفصيل واهتمام وذلك حرصا من المشرع على ضمان حقوق المحامي بخصوص إستحقاقه لأجرته. جرت العادة أن تحديد أتعاب المحامي تكون محض إتفاق بينه وبين حريفه، غير أنّ هذه الإرادة جاءت مقيّدة في صورة خصّها المشرع بالفصل 41 من قانون 1989. فقرة أولى: التحديد الإرادي لأتعاب المحامي: لم ينظّم المشرع مسألة رضائية تحديد أجرة المحامي ولا المعايير الواجب إتباعها لتقديرها، بل إن التقاليد والعرف قد ساسا هذه المسألة. فالأجرة يمكن تحديدها بمقتضى إتفاق رضائي هذا الإتفاق ينشئ إلتزامات متبادلة بمجرّد إلتقاء الإدارتين. خلافا للقانون التونسي، فإن التشريع الفرنسي خصّ رضائية تحديد أتعاب المحامي بنص ضمن قانون 31 ديسمبر 1971 ضرورة أن الفصل 10 من هذا القانون جاء ينصّ على ما يلي: « Les honoraires de consultation et de plaidoirie sont fixés d’accord entre l’avocat et son client » يمكن أن يكون هذا الإتفاق شفاهيا أو كتابيا.

أ- الإتفاق الشفاهي:

لا جدال أن لأجرة المحامي صبغة معاشية، لكن رغم ذلك فإن الإتفاق الحاصل بينه وبين الحريف لا يعدّ إتفاقا عينيّا، ضرورة أنّ صحته لا تبقى رهينة تسلم الأتعاب بل أن هذا الإتفاق رضائي محض يكفي لانعقاده تراضي الطرفين دون إستلزام أي شرط شكلي. رغم أن هذا الإلتزام شفاهي في أغلب الأحيان إلاّ أنّه يعدّ ملزما للجانبين ويقوم مقام القانون بينهما طبقا لأحكام الفصل 242 من مجلّة الالتزامات والعقود. حيث ينشأ واجب الآداء في جانب الحريف مقابل واجب بذل العناية والجهد من طرف المحامي فالمهمّ بالنسبة لهذا الأخير ليس تحقيق نتيجة بل بذل مقدار معين من العناية والحرص على مصالح موكّله. وهو ما تناولته محكمة الإستئناف بالتحليل ضمن قرارها عدد 37740 الصادر بتاريخ 11 جويلية 2006 والذي جاء فيه ما يلي: "وحيث ولئن كان المحامي غير مطالب بتحقيق نتيجة عند تكليفه من طرف المتقاضي في أي قضية كانت إلا أنه مطالب ببذل العناية وبذل العناية يتجسّم خاصة في احترام الإجراءات وأن من أوكد الواجبات المحمولة عليه أن يبذل قصارى جهده بأن يكون القيام بالدعوى سليما وصحيحا من الوجهة الشكلية وعليه أن يكون يقضا عند رفعه للدعوى والتثبت قبل الخوض في الأصل في صحّة القيام وصحّة إجراءات رفع الدعوى. وحيث لا جدال أنّ المحامي يكون مسؤولا تجاه حريفه عند إخفاقه في الدعوى بسبب الإخلال بالإجراءات ولا يمكن له تبعا لذلك المطالبة بأجوره طالما أن المستأنف قد خسر دعواه بسبب التقصير من المستأنف ضدّه". أمّا بخصوص التطبيقات القضائية في صورة الإتفاق الشفاهي، ما يمكن ملاحظته أن محكمة الإستئناف تقضي في جلّ قراراتها بإستحقاق المحامي لكامل أتعابه رغم ادعاءات الخصم بدفعه لتسبقة، خاصة في حال قيام المحامي بجميع الأعمال الضرورية واللازمة التي يتطلّبها السير العادي للقضيّة و حسبما يمليه عليه واجبه المهني. ونذكر على سبيل المثال القرار الاستئنافي عدد 37548 الصادر بتاريخ 23 ماي 2006 الذي ورد ضمن حيثياته ما يلي : "حيث ثبت من مظروفات الملف ومؤيداته أن الطاعنة كلّفت المطعون ضدّه في نيابتها في القضية الإبتدائية عدد 4814 موضوعها المطالبة بغرم الضرر المادي والبدني نتيجة حادث مرور وقام المستأنف ضدّه بجميع الأعمال الضرورية واللازمة في النازلة وحسبما يمليه عليه واجبه المهني ممّا يجعله محقّا في المطالبة بأجوره. وحيث وطالما خلا ملف القضية مما يفيد الإتفاق على الأجرة كما خلا ممّا يفيد خلاص المستأنف ضدّه في أجوره ممّا يجعله محقّا في المطالبة بتسعير أتعابه". كذلك نذكر القرار الإستئنافي عدد 37779 الصادر بتاريخ 11 جويلية 2006 الذي جاء فيه ما يلي :"حيث وخلافا لما تمسك به الطاعن فإن لا شيء بملف القضية يفيد إتفاق الطرفين على الأجرة كما لاشيء بملف القضية يفيد أن الطاعن قد تولّى تسبيق خمسمائة دينارا لفائدة المطعون ضدّه ممّا يحقّ للمطعون ضدّه المطالبة بأجوره وبتسعير أتعابه". مما هو جدير بالذكر أن الإتفاق الشفاهي الساري به العمل يصعب إثباته الأمر الذي يفضي إلى حصول خلاف حول مقدار الأتعاب المستحقة من قبل المحامي. لكن بالرجوع إلى القانون عدد 57-2000 المؤرخ في 13 جوان 2000 المنقح لبعض فصول مجلّة الإلتزامات والعقود يتبيّن أن الفصل 473 جديد جاء ينص على ما يلي: "شهادة الشهود لا تكون بيّنة في الإتفاقات و غيرها من الأسباب القانونية التي من شأنها إحداث إلتزام أو حق أو إحالة ذلك أو تغييره أو الإبراء منه إذا كان قدر المال أكثر من ألف دينار فيجب حينئذ تحرير حجة رسمية أو غير رسمية للبيّنة فيه". ما نلاحظه أن هذا الفصل اشترط في الإتفاقات التي من شأنها إحداث إلتزام والتي لا تفوق قيمتها الألف دينار يمكن إثباتها بالشهادة. ما جاء به هذا الفصل يمكن أن يسير على المحامي إثبات إتفاقه مع الحريف في حال غياب كتب ممضى.

ب- الإتفاق الكتابي :

يمكن أن يكون الإتفاق المبرم بين الطرفين مكتوبا أي يتخذ شكل إتفاقية ممضاة منهما تتضمن شروطا واضحة تحدد واجبات كل طرف نحو الآخر كما تقدر مقابلا للأعمال التي سيقوم بها المحامي. فمثلا يمكن أن تكون الإتفاقية المذكورة قائمة ونافذة قانونا بالإستناد إلى المراسلات بين الطرفين أو بعد أن يوجّه المحامي إلى حريفه فاتورة يوافق عليها هذا الأخير ويدفع جزءا منها دون أن يناقش فحواها. لكن ربما يجب أن نتساءل حول إمكانية مراجعة الإتفاق المبرم بين الطرفين خاصة في صورة إثباته بمقتضى كتب أو مراسلات أو فاتورات مقبولة. فهل يحق في هذه الحالة، لرئيس الفرع الجهوي والمختص ترابيا مراجعة هذا الإتفاق؟ للإجابة على هذا التساؤل وجب الرجوع إلى ماهية تحديد أتعاب المحامي. ومثلما سبق بيانه متى تكون الإتفاق وتوافرت فيه جميع شروطه المتعلقة منها بالأشخاص (الأهلية والرضى) وبالمضمون (المحل والسبب)، فإن آثاره تنسحب مبدئيا على طرفيه الأمر الذي يستحيل معه تدخل طرف ثالث يعدّل أو يغيّر الإلتزامات الناشئة عن هذا الإتفاق. وهو نفس التوجه الذي كرّسه فقه القضاء ودأب عليه حيث جاء بالقرار الإستئنافي عدد13558 المؤرخ في 10 فيفري 1988 :"إن قانون المحاماة لم يتعرض إلى كيفية الإتفاق على الأجر وطرق إثباته بين المحامي وحريفه فإذا وجه المحامي فاتورة لحريفه بواسطة عدل تنفيذ ووافق عليها ودفع جزءا من الأجر تصبح أحكام الفصلين 32 و837 من المجلة المدنية هي المنطبقة أساسا على علاقتهما وللمحامي إستصدار أمر بالدفع في بقية أجرته دون حاجة إلى الإلتجاء إلى تدخل رئيس الفرع الجهوي المختص". وجاء أيضا بالقرار التعقيبي عدد 40003 المؤرخ في 3 جانفي 1997 ضمن مبدئه ما يلي : "إذا كان الأجر متفقا عليه بين المحامي وحريفه من حيث أصله ومبلغه فلا صلاحية للهيئة القومية للمحامين للتدخل لحسم ما ينشأ بين الطرفين من خلاف بشأن عدم الوفاء بالأجرة المتفق عليها لأي سبب كان". ونذكر أيضا القرار الاستئنافي عدد 37676 الصادر بتاريخ 23 ماي 2006 الذي جاء ينص على ما يلي :"حيث يتضح بالإطلاع على مظروفات الملف أن الطاعنة أبرمت مع المستأنف ضدها كتب إتفاق في خصوص أجرة المحاماة الوارد بها قرار التسعيرة المطعون فيه وذلك بتاريخ 23 جانفي 2003 وقد تم التنصيص صلبه على أن ذلك الكتب يلغي قرار التسعيرة. وحيث لا يسع المحكمة مع إتفاق الطرفين على تحديد أجرة المحاماة إلا القضاء ينقض قرار التسعيرة المطعون فيه وإمضاء الصلح المبرم بينهما". إنه بتمحيصنا في موقف محكمتي الإستئناف و القانون يتراءى لنا أنه في صورة نشوب نزاع بين المحامي وحريفه حول دفع أتعابه الموثقة بكتب أو فاتورة وغيرهما، فإن هذه الدعاوي تبقى من إختصاص المحاكم العدلية دون حاجة لتدخل الهيئة المهنية. وفرضا وفي صورة إستئناف قرار تسعيرة فإن المحكمة تقضي آليا بنقضه لوجود كتب إتفاق مبرم بين الطرفين حدد مسبقا أجور المحامي. خلافا لما دأب عليه فقه القضاء للمحاكم التونسية فإن نظيره الفرنسي لا يحول دون تدخل رئيس الفرع المختص ترابيا ومن بعده محكمة الإستئناف متى تم الطعن في قرار الهيئة المهنية. ذلك أن المشرع الفرنسي حدد على سبيل الحصر المعايير التي يتم اللجوء إليها لتقدير أتعاب المحاماة وفقا للأمر عدد 91-1197 المؤرخ في 27 نوفمبر 1991 المنظم لمهنة المحاماة والمنقح لقانون 71-1130 المؤرخ في 31 ديسمبر 1971. هذه المعايير يقع تطبيقها سواء من طرف الهيئة المهنية أو سواء من طرف المحكمة على الإتفاق المكتوب والمبرم بين المحامي وحريفه. فقد أقر فقه قضاء محكمة التعقيب الفرنسية بالقرار الصادر في 21 جويلية 1994 الذي جاء ينص على ما يلي : « En toute hypothèse même s’il y a eu convention d’honoraire, le bâtonnier est éventuellement la juridiction d’appel apprécieront souverainement la nature, les circonstances, la complexité de l’affaire, la durée , la notariété, le travail et le dévouement de l’avocat ». نذكر كذلك القرار التعقيبي عدد 1242 الصادر بتاريخ 18 سبتمبر 2003 الذي جاء بمبدئه ما يلي : « L’existence d’une convention d’honoraires ne saurait faire obstacle aux pouvoirs des tribunaux de réduire les honoraires convenus initialement entre l’avocat et son client ». لئن ترك المشرع للمحامي وحريفه حرّية تحديد الأتعاب، فإن هذه الحرّية جاءت مقيّدة في صورة معيّنة نظمها بالفصل 41 من قانون المهنة وهي منع المحامي تحديد أجرته بتخصيص نسبة معيّنة ممّا سيصدر به الحكم لفائدة منوبه.

فقرة ثانية : تقييد حرّية الإرادة المحدّدة لأتعاب المحامي :
أ- مفهوم التقييد في القانون التونسي :

جاء بالفصل 41 من قانون 7 سبتمبر 1989 ما يلي: "لا يجوز تخصيص المحامي مباشرة أو بواسطة أي عنوان كان بنسبة معيّنة ممّا سيصدر به الحكم لفائدة منوبه ويبطل كلّ اتفاق مخالف لذلك بطلانا مطلقا". ورد هذا الفصل في إطار إستثناء للمبدأ ألا وهو حرّية تقدير أتعاب المحامي، ضرورة أنّه حجّر على هذا الأخير تحديد نسبة معيّنة على ضوء المبالغ المحكوم بها من طرف الهيئات القضائية لفائدة حريفه وأن أيّ إتفاق في هذا السياق يعدّ مخالفا للقانون ولا يؤخذ بجديته. لعلّ أساس تدخّل المشرّع من خلال هذا الفصل تأثره بالقانون الفرنسي الذي ينصّ بالفصل العاشر منه في فقرة ثالثة على ما يلي: « Toutefois, est interdite la fixation à l’avance d’honoraires en fonction du résultat à intervenir. Toute convention contraire est réputée non écrite ». أطلق المشرّع الفرنسي على هذا المبدأ تسمية « Pactum de Quota- litis » حيث اعتبر هذا القانون أن هذا الإتفاق سوف يفقد مهنة المحامي إستقلاليتها ضرورة أنه سيتابع مآل القضية بأكثر اهتمام وجدّية. و هذا ما يخالف واجب المحامي المقتصر على إلتزام ببذل عناية دون تحقيق نتيجة و يتنافى مع نبل المهنة وتقاليدها وإستقلاليتها. بالرجوع إلى نصّ الفصل 41 المذكور، يتضح أن مجال تطبيقه لا يمكن أن يتعدّى بأية حال تدخل المحامي في إطار نزاع ينتهي بصدور حكم لفائدة منوبه. وهو ما لا يدع أي مجال للشكّ ضرورة أن عبارة النصّ بالعربية جاء فيها ما يلي :"...ممّا سيصدر به الحكم لفائدة منوبه" وكذلك الأمر بالرجوع إلى النصّ بالفرنسية ورد فيــه عبارة « par jugement ». فهل يمكن للمحامي تقدير أتعابه بالإتفاق مع حريفه باعتماد نسبة معنية من قيمة صفقة توّلى إنجازها لفائدته أو عقد حرره له؟ لقد أجاب فقه القضاء التونسي على هذا التساؤل بالنفي معتبرا عدم إمكانية اللجوء إلى تحديد الأتعاب بالنظر إلى قيمة المعاملة موضوع تدخل المحامي من ذلك مثلا القرار الإستئنافي عدد 205 المؤرخ في 11 جويلية 1991 والذي جاء بمبدئه: "إنّ أجر المحامي عند تقديم الاستشارة أو تحرير العقود لا يقدر على أساس نسبة مائوية من قيمة الصفقة وإنّما يقدّر جزافا مثل أجره في القضايا التي تعرض على الهيئات القضائية أو التأديبية على أساس المعطيات الخاصة بكلّ قضية ومن المعطيات التي ينبغي أن تراعي ما يستلزمه موضوع الإستشارة أو العقد من معرفة وعلم و ما يقتضيه من جهد وعناية وما يستغرقه من وقت". إن موقف محكمة الإستئناف في توسيعها لمجال تطبيق أحكام الفصل 41 لا يجد ما يبرره بالرجوع إلى القواعد القانونية العامة التي تنظّم مسألة تأويل القاعدة القانونية هذا بالإضافة الى غياب سند قانوني يمكّن المحكمة من توسيع مجاله إلى الصفقات وتحرير العقود، ضرورة أن الفصل 540 من مجلّة الالتزامات والعقود جاء ينصّ على ما يلي : " إن ما به قيد أو إستثناء من القوانين العمومية أو غيرها لا يتجاوز القدر المحصور مدّة وصورة". إذا كان المنظّم بالفصل هو صورة معينة وهي الإتفاق على نسبة ممّا سيصدر به الحكم لفائدة الحريف فإنّ غيرها من الصور على غرار إبرام الصفقات والعقود والتي لا يصدر فيها أحكام لا يمكن مبدئيا منع المحامي قانونا من الإتفاق في شأنها مع حريفه قصد تمكينه من نسبة مائوية من مقدار ذلك العمل القانوني.

ب- مفهوم التقييد في القانون الفرنسي:

لئن حجّر المشرع الفرنسي تحديد المحامي نسبة معينة من مجموع المبـالـغ المحكوم بهـا لفائدة حريفه، فإنّـه قـد خـوّل لـه فـي المقابـل الحـقّ فـي المطـالبـة بأتعــاب تكـميليـة « honoraires complémentaires ou l’honoraire de résultat » فإلى جانب تحصل المحامي على أتعابه حال تكليفه للدفاع عن مصالح حريفه، فإن له حقّ الإنتفاع زيادة على ذلك الأجر بنسبة ممّا سيصدر به الحكم على أن لا تتجاوز نسبتها الخمسة بالمائة من قيمة المبالغ المحكوم بها لفائدة الحريف وأن يحرّر في شأنها كتب إتفاق بين الطرفين. حيث جاء بالفصل 10 فقرة ثالثة من قانون 1971 ما يلي: « Est licite la convention qui outre la rémunération des prestations effectuées prévoit la fixation d’un honoraire complémentaire en fonction du résultat obtenu ou du service rendu ». لعلّ هذا التطوّر التشريعي مرده الانتقادات التي وجهها فقهاء وشراح القانون بمنع المحامي من الإتفاق مع حريفه باعتماد مآل النزاع أو تحقق الصفقة، وهو الأصل في الدول الأنقلوسكسونية وذلك بمقولة أنه من البديهي أن يجازى المحامي الذي يتحصّل على نتيجة إيجابية خاصّة إذا كانت غير متوقعة لفائدة الحريف. وقد لعب فقه القضاء الفرنسي دورا فعالا في التطور التشريعي بخصوص إستحقاق المحامي للأتعاب التكميلية، حيث وبمقتضى ثلاث قرارات تعقيبية صادرة بتاريخ 3 مارس 1998 عمدت محكمة التعقيب إلى إعادة كتابة نص الفصل 10 من قانون 31 ديسمبر 1971 مع وضع ثلاث شروط وجب احترامها من قبل المحامي وحريفه. أوّلها ضرورة تحرير كتب إتفاق بخصوص تحديد نسبة الأتعاب التكميلية بداية من تاريخ تكليف المحامي، ثانيها أن للمحاكم إختصاص التخفيض في نسبة هذه الأتعاب والنزول بها إذا ورد بها شطط أو مبالغة، ثالثها اعتبرت محكمة التعقيب أنه في صورة عدم وجود إتفاق بين الطرفين فإن الأتعاب يقع تحديدها على ضوء وضعية الحريف المادية، مدى أهميّة الدعوى، المصاريف المبذولة من طرف المحامي، مدى شهرته وكفاءته. وقد دأب فقه القضاء الفرنسي على هذا المبدأ في جلّ القرارات التعقيبية وتذكر على سبيل المثال القرار التعقيبي عدد 594 الصادر بتاريخ 7 ماي 2003 الذي جاء فيه ما يلي: « Si en application de l’article 10 de la loi n° 71-1130 du 31 décembre 1971, l’honoraire de résultat n’est licite que dans la mesure où il a été prévu, en sus de la rémunération des prestations effectuées, dans une convention préalable, le client qui, après service rendu, offre de payer librement à l’avocat un honoraire complémentaire ne peut se prévaloir, pour contester cet engagement de l’absence de convention préalable à la prestation ainsi rémunérée ». ما من شكّ أن فقه القضاء المقارن يعدّ أكثر تطوّرا وجرأة عن نظيره التونسي، وأمام هذا الفراغ التشريعي سواء بخصوص تحديد مجال تطبيق الفصل 41 من قانون المهنة وكذلك بخصوص الأتعاب التكميلية، لعلّه من الأجدى أن يتدخل المشرّع في هذه المادة، لينظمها على النحو المعمول به في القانون الفرنسي حتى لا تكون أحكامه مجحفة بحقوق المحامي المادية وخارقة للقانون ولقواعد التأويل مثلما كان عليه الأمر في القرار الإستئنافي عدد 205 الصادر بتاريخ 11 جويلية 1991. بعد التعرّض إلى كيفيّة تحديد أتعاب المحامي المؤسسة على مبدأي سلطان الإدارة والقوّة الملزمة للإتفاق والإستثناء التشريعي المقيّد لهذه الحرّية سنتطرق في فرع ثان لدراسة التحديد القضائي لأتعاب المحامي.

الفرع الثاني: التحديد القضائي لأتعاب المحامي

إن دراسة مسألة التحديد القضائي لأتعاب المحامي تستوجب التعرّض في فقرة أولى لخصوصيات قرار التسعيرة وفي فقرة ثانية تسليط الضوء على أهمّ الصعوبات التطبيقية لاستصدار قرار التسعيرة. فقرة أولى: خصوصيات قرار التسعيرة من المهمّ التذكير ضمن هذه الفقرة بمفهوم قرار التسعيرة ثمّ التطرّق إلى دراسة إجراءاته.

أ- مفهوم قرار التسعيرة:

ورد الفصل 40 من قانون 1989 المتعلّق بتنظيم مهنة المحاماة أنّه: "إذا وقع خلاف بين المحامي ومنوبه في أصل الأتعاب أو مقدارها أو ما بقي منها بالذمّة فللأحرص منهما رفعه إلى رئيس الفرع الجهوي المختص، قصد تقييم أتعاب المحاماة بعد إجراء البحث والتدخّل ورئيس المحكمة الابتدائية التي بها مكتب المحاماة يكسي القرار الصيغة التنفيذية..." لا جدال أن هدف المشرّع من سنّ هذا الفصل هو إتمام إجراءات استيفاء المحامي لأتعابه والحصول على أجرته من خلال استصدار قرار تسعيرة. إن التسعيرة إجراء إستثنائي يلجأ إليه المحامي للحصول على أتعابه ولا يسوغ أن يصبح إجراءا مألوفا. يقع اتخاذ قرار التسعيرة على مرحلتين: الأولى تعدّ مرحلة مصالحة وإتفاق أمام رئيس الفرع الجهوي وثانيهما مرحلة قضائية أمام رئيس المحكمة الإبتدائية التي بها مكتب المحامي والذي يكسي القرار الصيغة التنفيذية. ورد ضمن هذا الفصل أن للمعنى بالأمر سواء المحامي أو حريفه إمكانية تقديم مطلب لرئيس الفرع للحصول على قرار تسعيرة يحدد أتعاب المحامي وذلك حال نشوب خلاف في شأنها. غير أنّ المشرّع لم يوجب أي شرط شكلي لصحّة هذا المطلب باعتباره يمكن أن يتخذ شكل رسالة أو تقرير. إنّ لقرار التسعيرة خصوصية تميّزه عن باقي طرق إستخلاص رجال القانون لأجورهم، نذكر على سبيل المثال عدل التنفيذ بوصفه مأمور عمومي، يلجأ مباشرة للقضاء دون أي تدخل من قبل الهيئة المهنية لعدول التنفيذ. ففي صورة وقوع نزاع بين عدل التنفيذ وحريفه حول عدم دفع الأجور المسعرة والمحدّدة مسبقا، فإنّه يحق للعدل المنفذ إستصدار إذن بالدفع من لدن رئيس المحكمة الإبتدائية التابع لدائرتها العمل الذي وقع مباشرته وهو ما ورد بالفصل 27 فقرة سادسة من القانون عدد 29 لسنة 1995 المؤرخ في 13 مارس 1995 المتعلّق بتنظيم مهنة العــــــدول المنفذين: "يجبر الطالب بإذن من رئيس المحكمة الابتدائية التابع لدائرتها العمل الذي وقعت مباشرته على دفع أجرة العدل المنفذ وما تقتضيه من معاليم". أمّا في صورة نشوب نزاع بين الطرفين حول تحديد الأتعاب الغير مسعّرة، ضرورة أن العدل المنفذ بوصفه رجل قانون يمكنه تقديم عديد الخدمات والمساعي والإستشارات وتحرير الكتائب الخطيّة، هذه الأعمال غير مسعّرة يتم تقدير الأجور المستحقة عنها بالتراضي بين الطرفين وهو الأمر الغالب. لكن إذا تعذّر ذلك يقع الرجوع لرئيس المحكمة الابتدائية التي أنجزت بدائرتها تلك الأعمال يتولى تقديرها طبقا الإجراءات المنصوص عليها بالفصل 30 من قانون المهنة. وهو ما أقرّه المشرع ضمن أحكام الفصل 13 من القرار الوزاري المؤرخ في 8 ماي 2002 المتعلّق بضبط أجور العدول المنفذين الذي جاء فيه ما يلي : "يتمّ تقدير أجور أعمال عدل التنفيذ التي لم يشملها هذا القرار بالتراضي وإنّ تعذّر يتم تقديرها من طرف رئيس المحكمة الإبتدائية التي أنجزت بدائرتها تلك الأعمال طبقا للإجراءات المنصوص عليها بالقانون المتعلّق بتنظيم مهنة العدول المنفذين" إنّ التجاء المحامي للهيئة المهنية لتسعير أتعابه يعدّ خير دليل أن مهنة المحاماة حرّة مستقلّة خلافا للمأمور العمومي. لمزيد التعمق في دراستنا قرار التسعيرة لا بد من التعرض إلى إجراءاته.

ب- إجراءات التسعيرة:

لئن وردت مسألة الإختصاص الترابي واضحة وجليّة لا تستحق أي تأويل ولا تطرح إشكالا باعتبار أنّ مكان مكتب المحامي هو الذي يحدّد الاختصاص الترابي لرئيس الفرع، فإن آجال البتّ في المطالب المعروضة على هذا الأخير تضعنا أمام عدّة تساؤلات وعوائق. إنّ إحجام النصّ القانوني عن تحديد الأجل الذي يتحتّم فيه على رئيس الفرع الجهوي المختص ترابيا البت في النزاع المعروض أمامه والمتعلق بتحديد الأجرة المستحقة من المعني بالأمر، يجعل له سلطة تقديرية مطلقة وحرية في البت في النزاع و في تحديد تاريخ البت والنظر في هذه المطالب؟ تجدر الملاحظة أن القانون الفرنسي وخلافا لتشريعنا حدد أجل البت في مطلب التسعيرة بالأمر عدد 91-1197 المؤرخ في 27 نوفمبر 1991 المنظم لمهنة المحاماة. حيث مكّن رئيس الفرع أجل ثلاثة أشهر للبت فيه و يمكن التمديد في هذه المدة لثلاث أشهر أخرى بصفة إستثنائية وبقرار من رئيس الفرع. في حال انقضاء هذا الأجل يحق للأحرص من طرفي النزاع تجاوز هذه المرحلة والقيام مباشرة أمام الرئيس الأول لمحكمة الإستئناف في ظرف شهر من تاريخ انتهاء أجل الثلاثة أشهر المنصوص عليها بالفصل 175 من الأمر المذكور: « Le bâtonnier, ou le rapporteur qu’il désigne, recueille préalablement les observations de l’avocat et de la partie. Il prend sa décision dans les trois mois ». إن رئيس الفرع الجهوي المختص ترابيا عندما يمارس سلطة تسعير أتعاب المحامي بطلب من هذا الأخير أو بطلب من حريفه، يمكن تشبيهه بالقاضي باعتبار أن له سلطة البتّ في النزاع وفقا لما قدم له من مؤيدات وحجج مصاحبة للمطلب. إن السؤال الذي يفرض نفسه هل لرئيس الفرع الجهوي وفي حال مماطلته البتّ في مطالب التسعيرة يكون عرضة للتتبع الجزائي؟ المبدأ أنه لا نرى وجها للتتبّع خاصّة أن السبب الوحيد للمماطلة هو تراكم الملفات. ويمكن في هذا الصدد أن نذكر إحصائية التسعيرات الواردة بالتقرير الأدبي للسنة القضائية 2005-2006، فالعدد الجملي لتسعيرات الرشد بلغ 1185 أمّا بالنسبة للقصر حدد بـ336 تسعيرة أي حوالي 1500 مطلب تسعيرة سنويا. هذه الإحصائية تدل على تضخم و ارتفاع لعدد التسعيرات. لئن كانت التسعيرة إجراء إستثنائي يلجأ إليه المحامي للحصول على أتعابه، فإن ما يمكن ملاحظته أنها تجاوزت هذا الحدّ وأصبحت إجراء يسعى إليه بعض الزملاء لتضخيم أتعابهم وإثقال كاهل الفرع بالمطالب. إنّ تراكم عدد التسعيرات وعجز الفرع عن البثّ فيها جميعا، يستدعي إعادة النظر في القانون المنظّم للمهنة وإدخال تنقيح يحدد آجال البتّ في مطالب التسعيرة لتجاوز هذه المعظلة. ممّا هو جدير بالذكر في إطار دراسة إجراءات قرار التسعيرة آجال سقوط الحقّ بمرور الزمن للمطالبة بأتعاب المحاماة، هذاالأجل محدد بعام عملا بأحكام الفصل 404 فقرة رابعة من مجلّة الالتزامات والعقود يقع احتسابه من تاريخ صدور الحكم موضوع قرار التسعيرة. وجاء الفصل 404 فقرة رابعة ينصّ على ما يلي :"تسقط الدعوى بمضي عام ذي ثلاثمائة وخمسة وستين يوما أيضا: رابعا : فيما يستحقّه وكلاء الخصام أجرا ومصاريف من تاريخ الحكم الانتهائي أو الاتفاق الذي انتهت به القضيّة أو من تاريخ عزلهم عن الوكالة". غير أنه حال تنبيه المحامي على حريفه بضرورة الخلاص بواسطة رسالة فإن أجل إحتساب أجل السقوط ينقطع ويستأنف من تاريخ آخر تنبيه. وهو ما أقرتّه محكمة الاستئناف بالقرار الإستئنافي عدد 37555 الصادر بتاريخ 23/05/2006 الذي جاء فيه ما يلي: "إنّ تولّي المستأنف ضدّها التنبيه بوجوب خلاصها في أجرتها بموجب الرسائل مضمونة الوصول وتأسيسها على ذلك فإن سريان أجل السقوط قد انقطع تطبيقا لأحكام الفقرة الأولى من الفصل 396 من م.إ.ع وتستأنف المدّة من وقت انتهاء العمل القاطع عملا بالفصل 398 من م.إ.ع وتأسيسا على ذلك فإن حقّ المطالبة لم يسقط بمرور الزمن ضرورة أنّه لم يمض أكثر من عام بين تاريخ استصدار قرار التسعيرة لذا يتّجه ردّ الدفع المذكور لعدم وجاهته". أمّا بخصوص طرق الطعن في قرار التسعيرة، فقد نصّ الفصل 40 من قانون 07/12/1989 على أنّه لكل من الطرفين الطعن فيه طبق أحكام الفصل 71 وما بعده من هذا القانون وطبق أحكام مجلّة المرافعات المدنية والتجارية المطبّقة لدى حاكم الناحية. يرفع الإستئناف أمام المحكمة التي بدائرتها مقرّ الفرع المصدر لقرار التسعيرة (الفصل 71 من قانون المهنة). هذا والجدير بالملاحظة أن الإجراءات الواجب إتباعها لدى محكمة الاستئناف ليست الإجراءات المقرّرة بالفصل 130 وما بعده من م.م.م.ت وإنّما هي الإجراءات المعمول بها لدى حاكم الناحية والمنصوص عليها بالفصل 43 وما يليه من نفس المجلّة. أكّد القرار الإستئنافي عدد 37555 الصادر بتاريخ 23/05/2006 هذا المبدأ :"تجدر الملاحظة أن مواعيد الحضور أمام محكمة الاستئناف المتعهّدة بالنظر في استئناف قرارات التسعيرة خاضعة للآجال المعمول بها أمام محاكم النواحي المحدّدة بثلاثة أيّام عملا بالفصل 48 من م.م.م.ت وذلك تطبيقا لأحكام الفصل 40 من القانون عدد 87 لسنة 1989 المتعلّق بتنظيم مهنة المحاماة والتي تنصّ على أنّه يقع الطعن بالإستئناف في قرارات التسعيرة طبق أحكام 71 وما بعده من هذا القانون وأحكام مجلّة المرافعات المدنيّة والتجارية المطبّقة لدى حاكم الناحية". بالرجوع لأحكام الفصل43 من م.م.م.ت: " ترفع الدعوى لدى حاكم الناحية بعريضة كتابية يسلمها الطالب أو من يمثله". يتضح من صيغة هذا الفصل أن إنابة محام للقيام بالدعوى غير وجوبي حيث يتسنّى للطاعن بالإستئناف في قرار التسعيرة رفعه مباشرة من طرف المتقاضي دون لزوم لتكليف محام للدفاع عن مصالحه، وهو ما أكّدته المحكمة الإدارية ضمن قرارها المؤرخ في 30/12/1996 عندما تمّ الدفع أمامها بحصول خرق لأحكام الفصول 130 وما بعده من م.م.م.ت. كما أكّدت أن عدم لزوم الطعن بواسطة محام لا يعفى الطاعن من احترام أحكام الفصل 71 من م.م.م.ت المتعلّقة بعريضة الإستدعاء. أمّا فيما يخصّ الطعن بالتعقيب في قرار محكمة الإستئناف المتعلّق بالبتّ في مادّة التسعيرة فإن الأمر لا يطرح إشكالا معيّنا ذلك أن الفصل 72 من قانون 1989 حسم مسألة الاختصاص وجعلها مناط تعهد المحكمة الإدارية على أن أجل الطعن يكون شهرا من تاريخ الإعلام بالقرار الإستئنافي. بعد تحليل مفهوم التسعيرة و إجراءاتها سنتطرق في فقرة ثانية لدراسة صعوباتها التطبيقية.

فقرة ثانية : الصعوبات التطبيقية للتسعيرة

إن في طرح هذه الصعوبات لا بد من الإجابة عن سؤالين أولهما يتعلق بتحديد الجهة المختصة بتسعير أتعاب رئيس الفرع إذا كان هو نفسه في خلاف مع أحد حرفائه حول مستحقاته. وثانيها يتصل بالتوجه القضائي في كيفية تحديد أتعاب المحامي إذا ما وقع إستئناف قرار التسعيرة.

أ- الجهة المختصة بتسعير أتعاب رئيس الفرع الجهوي :

بالتمعن في قانون 1989 المنظم لمهنة المحاماة لا نجد إجابة لهذا التساؤل وذلك خلافا للقانون الفرنسي الذي وضع حلاّ جذريا لهذا الإشكال بالفصل 179 من الأمر عدد 91-1197 المؤرخ في 27 نوفمبر 1991 المنظم لمهنة المحاماة إذ جاء ينص على ما يلي : « Lorsque la contestation est relative aux honoraires du bâtonnier celle-ci est portée devant le président du tribunal de grande instance. Le président est saisi et statue dans les conditions prévues aux articles 175 et 176 ». من خلال هذا الفصل يتضح أن المشرع الفرنسي خص رئيس المحكمة الابتدائية الكائن بدائرتها مقر العمادة المتعهدة بالبت في قرار التسعيرة بالنظر إذا كان الخلاف يتعلق بالعميد المذكور شخصيا. إن سكوت المشرع حول هذه المسألة رغم أهميتها التطبيقية لا نجد ما يبرره، خاصة وأنه أسند مهام رئاسة الفرع الجهوي لأحد السادة المحامين وإلى جانب هذه السلطات يبقى ممارسا لمهنته دون انقطاع ودون أن يتفرغ لرئاسة الفرع فقط. إن المبدأ الذي يلتزم به رئيس الفرع عند البت في مطالب التسعيرة هو الحياد وإنطلاقا من هذا فإنه لا يمكن أن ينصب نفسه خصما وحكما في آن واحد ولا يمكنه أن يتولى التعهد بالبت في مطلب يهمه شخصيا. إن في غياب نص قانوني يقع تطبيقه أو مبدأ فقه قضائي يحتذى به، يطرح إشكالا يستدعي مرة أخرى تدخل المشرع لوضع حل يقع الرجوع إليه كلما إقتضت الضرورة ذلك. ولعل الحل الذي جاء به المشرع الفرنسي يكون الحل الأمثل. خاصة إذا أخذنا بعين الإعتبار وأن تعهد رئيس المحكمة الإبتدائية بالنظر في مطلب التسعيرة والبت فيه طبقا للمعايير الفقه قضائية يمكن أن يؤثر بصورة إيجابية على التقدير الحقيقي لأتعاب المحاماة فتنقص بذلك الهوة بين تقدير الهيئة وتقدير الهيئات القضائية.

ب- التوجه القضائي في تحديد أتعاب المحامي

إن المتأمل في فقه القضاء التونسي، يلاحظ جليا أن مسألة تقدير أتعاب المحاماة أصبحت تخضع أكثر من أي وقت مضى إلى جملة من المعايير سواء كانت ذاتيــــــــــــــة أو موضوعية، تسوقها المحاكم في إطار تعليلها لأحكامها في إطار النظر للبتّ في إستئناف قرارات التسعيرة الصادرة عن رئيس الفرع الجهوي للمحامين. ولعل أهم المعايير التي تبناها فقه القضاء هي معيار أهمية الدعوى ومعيار المجهودات المبذولة والوقت المخصص للدعوى. ولعله يجدر بنا تحليل هذين المعيارين وإبداء بعض الملحوظات في شأنها. 1- معيار أهمية الدعوى إن هذا المعيار ينقسم بدوره لقسمين الأول يهم الصعوبات الواقعية والقانونية المتعلقة بالدعوى ويتعلق الثاني بالأهمية المادية للنزاع موضوع الدعوى.
- فيما يتعلق بالصعوبات الواقعية والقانونية للدعوى، فإن كل ملف يكلف به المحامي يمكن أن تحف به عديد الصعوبات الواقعية على غرار مسألة الإثبات والسعي في تكوين الحجج والمؤيدات. كما يمكن أن تكون الصعوبة كامنة على المستوى القانوني ضرورة أنه يستوجب على المحامي إجراء عديد البحوث والدراسات الفقهية والفقه قضائية والقيام بمجهودات فكرية حتى يتوصل لحل قانوني يقنع به المحكمة. هذه الصعوبات تؤخذ بعين الإعتبار من طرف المحكمة إذا ما تعلق الأمر بتحديد أتعاب المحاماة المستحقة. أما فيما يخص الأهمية المالية للنزاع l’intérêt financier en cause فإن مهمة المحامي إزاء حريفه ليست تحقيق نتيجة. إلا أنه ملزم بالقيام بواجبه على أحسن وجه خاصة إذا كان حريفه مهدد بأداء مبالغ هامة أو مطالب بتعويضات مالية ضخمة ومشطة. الأمر الذي يجعل من المسؤولية المحمولة على عاتق المحامي في الدفاع على مصالح حريفه مصيرية. 2- معيار الجهد المبذول والوقت المخصص من طرف المحامي : إن هذا المعيار لا يطرح إشكالا خاصة من حيث إمكانية إعماله نظرا لتوفر العديد من المؤشرات التي يمكن أن تمثل مقياسا لإثبات مدى أهمية الجهد المبذول من المحامي. نذكر على سبيل المثال عدد الجلسات، جملة التقارير المحررة، الحجج والمؤيدات التي وقع البحث عنها والجري وراء جلبها لإضافتها بالملف وجلسات العمل مع الحريف وغيره. لكن يطرح سؤال في هذا الصدد، كيف يقع إعمال هذا المعيار في صورة تمكن المحامي، نظرا لكفاءته المهنية وخبرته العلمية في فترة زمنية معينة و وجيزة دون عناء كبير، من إيجاد الحل الأمثل لمشكل حريفه. هذا وان المتأمّل في جملة المعايير المبيّنة يتضح وأنه لا مفرّ من عمليّة التقييم سواء من الهيئة المهنيّة أو من طرف محكمتي الإستئناف والإدارية المختصتين بالنظر. لكن ما يمكن ملاحظته أن نتيجة التقييم تختلف من درجة إلى أخرى، باعتبار أن محكمة الإستئناف وفي كل قراراتها ودون إستثناء تعمد إلى الحطّ من قيمة أتعاب المحامي المحدّدة من طرف رئيس الفرع معللة أن هناك شطط في تقديرها. نسوق على سبيل الذكر لا الحصر جملة القرارات التالية : * القرار الإستئنافي في عدد 37672 الصادر بتاريخ 23 ماي 2006 "حيث أن قرار التسعيرة انبنى على ماله أصل ثابت بالملف إلا أنّ المبلغ المضمن به قد اتسم بالشطط وكان مجحفا بحقوق الطاعن ممّا يتجه معه تعديل المبلغ المحكوم به إلى ما يتناسب وأهميّة القضيّة والمجهودات المبذولة فيها وترى المحكمة في نطاق اجتهادها المطلق النزول بها…" * القرار الاستئنافي عدد 37722 الصادر بتاريخ 11 جويلية 2006 "إن قرار التسعيرة قد انبنى على ماله أصل ثابت بالملف إلاّ أن المبلغ المضمن به يتسم بالشطط ويعدّ مجحفا بحقوق الطاعن ممّا يتعيّن معه تعديل المبلغ المحكوم به والنزول به الى ما يتناسب وأهميّة القضية والمجهودات المبذولة فيها وترى المحكمة في نطاق اجتهادها النزول بالمبلغ المحكوم به". أمام هذا البون الشاسع والهوّة بين تقدير الفرع والهيئات القضائية، نرى من الضروري أن يتدخّل المشرع أو مجلس الهيئة لوضع قانون داخلي لإعداد جدول أو لائحة في الأتعاب يضبط فيه الأجر الأدنى المستحق في مختلف النزاعات والقضايا المطروحة ضرورة أن هذا سيساهم في المحافظة على هيبة مهنة المحاماة وشرفها ويحطّ من ظاهرة المزاحمة المبتذلة و المنافسة غير المشروعة.

الخـــــاتـمــــــــة

وفقا لما سبق بسطه، يتضح أن الوضعيّة الراهنة للتشريع التونسي المنظّم لقانون مهنة المحاماة يكتنفه نقص وخلل للإلمام بجميع الإشكاليات المطروحة. الأمر الذي يوجب على المشرّع التدخّل لتنقيح القانون المنظم للمهنة أو سنّ مجلس الهيئة لقانون داخلي ليتلافى كلّ هذه الإخلالات ويدخل إضافات تكون مرجعا وقت الحاجة. إلاّ أنّه في انتظار تحقق هذا الأمر يبقى الأمر رهين قدرة المحامي على توخّي الشفافية وتكريسه إتفاق مسبق مع حريفه واضح حول تحديد على أتعابه بعيدا عن المجاملة يدخل في تقديرها أهمية الدعوى و الحالة المادية لموكله و حجم النزاع و الجهد الذي سيبذله و البحث الذي يتطلبه النزاع والوقت الذي سيستغرقه. مع الحرص على الحصول على موافقة كتابية تلافيا لكل ما يمكن أن ينشب من خلاف مردّه في غالب الأحيان سكوت المحامي عن الخوض في هذا الموضوع وصعوبة إثبات الإتفاق الشفاهي.

قائمـة المراجـع

Blanc Emmanuel : la nouvelle profession d’avocat : Commentaire de la loi du 31 décembre 1971 et des décrets des 21 avril. 9juin.13 juillet et 25 août 1992. Paris. Librairie du J.N.A 1972. Boccara Bruno : l’honoraire de l’avocat. Gaz Pal 1992. Hamelin Jacques : Nouvel abrégé des règles de la profession d’avocat. 2ème édition. Dalloz. Paris 1973. Lemaire Jean : les règles de la profession d’avocat et les usages du barreau de Paris. 3ème édition. LGDJ. Paris 1975. Martin Raymond : fixation des honoraires de l’avocat. J.C.P. édition G. 1992. Roland Dumas : les avocats. Paris. Grasset 1977. Woog-Jean Claude : Pratique professionnelle de l’avocat. 2ème édition Litec. Paris 1991. أحمد فتحي زغلول : المحاماة. مطبعة المعارف بمصر الطبعة الأولى. 1900. حسن جلال العروسي: قضاة ومحامون. دار المعارف بمصر. الطبعة الثانية 1962.


المنتدى

الصفحة الاساسية | الاتصال | خريطة الموقع | | News Admin| الإحصاءات | زيارة: 855711

متابعة نشاط الموقع ar  متابعة نشاط الموقع عربي  متابعة نشاط الموقع محاضرات حول المحاماة   ?

Site réalisé par N@ros avec spip 2.0.3 + AHUNTSIC

Creative Commons License