الأستاذ شوقي الطبيب Me Chawki Tabib
محاضـرة ختـم التمريـن

الاختصاص الممكن للمحاكم التونسية في مادة القانون الدولي الخاص

الأستاذ المحــاضر: فـوزي جاب الله

الاثنين 12 تموز (يوليو) 2010

الهيئة الوطـــنـية للمحامين الفرع الجهوي بتونس

محاضـرة ختـم التمريـن

الاختصاص الممكن للمحاكم التونسية في مادة القانون الدولي الخاص

الأستاذ المحــاضر: الأستاذة المشرفة على التمرين: فـوزي جاب الله رجاء قدانة

السنة القضائيّة: 2009-2010

المختصـرات:

 م ق د خ : مجلة القانون الدولي الخاص  م أ ش: مجلة الأحوال الشخصية  م أ ع: مجلة الالتزامات والعقود  م م م د: مجلة المرافعات المدنية والتجارية  م ح ع: مجلة الحقوق العينية  م ق ت: مجلة القضاء والتشريع

المـــــــقدمـــــــة

إن تطور نسق المعاملات الاقتصادية و تزايد تفتح الأسواق على بعضها و تزايد تنقل السلع و الخدمات و الأشخاص يؤدي بالضرورة إلى تكاثر النزاعات بين أطراف العلاقات الدولية و يجعلها في حاجة أكثر من أي وقت مضى لمعرفة طبيعة الحلول القضائية لتلك النزاعات ، وهو ما يكرس أهمية السؤال بشان تحديد المحكمة المختصة دوليا لفض النزاعات التي تنشا بين أطراف العلاقة الدولية و التي هي حسب الفصل 2 م ق د خ تلك العلاقة "التي لأحد عناصرها المؤثرة على الأقل صلة بنظام أو بعدة أنظمة قانونية غير النظام القانوني التونسي". و إن درج الفقه على استعمال مصطلح تنازع الاختصاص للتعبير عن البحث في سؤال تحديد المحكمة المختصة إلا أن هذا "التنازع" في الحقيقة لا يقدم بنفس الصورة المتعلقة بتنازع القوانين في مادة القانون الدولي الخاص فإذا كان السؤال الذي يطرح على القاضي عند البحث في تنازع القوانين هو أي من القوانين هي المختصة لحل النزاع ؟ فإن القاضي التونسي لا يهتم لدى إثارة أية دعوى قضائية دولية أمامه إلا بالإجابة عن سؤال : هل هو مختص أم لا ؟ و إذا أنكر اختصاصه فلا يعنيه تحديد المحكمة المختصة للنظر في النزاع و علة ذلك أن مسألة تحديد الاختصاص القضائي هي من القانون العام و مرتبطة بفكرة السيادة الدولة على أجهزتها مقابل عدم سلطانها على أجهزة غيرها من الدول. و العلاقة بين مسألتي تنازع القوانين و تنازع الهيئات القضائية لها طابع خاص في مادة القانون الدولي الخاص ، إذ أن إحدى العلامات المميزة لهذه المادة هي كسر التلازم التقليدي بين تحديد القاضي المختص و تحديد القانون المنطبق فالأصل في القانون الداخلي أنه إذا صرح القاضي باختصاصه فإن الأمر يؤدي بداهة إلى أنه سيطبق قانونه الوطني ، بينما في مادة القانون الدولي الخاص فإن إعلان هيئة قضائية وطنية باختصاصها للنظر في نزاع دولي ما لا يعني بالضرورة أنها ستطبق قانونها الوطني بل إن تحديد القانون المنطبق مرتبط بقاعدة التنازع المعتمدة و التي هي في من حيث المبدأ ثنائية أي أنها يمكن أن تؤدي إلى القانون الوطني كما يمكن أن تؤدي إلى قانون أجنبي كقانون منطبق. إلا أن الفصل المنهجي بين تحديد القاضي المختص و تحديد القانون المنطبق ليس مطلقا ذلك أن قبول هيئة قضائية باختصاصها يعني آليا أن قاعدة التنازع التي ستعتمدها لتحديد القانون المنطبق هي قاعدة التنازع للبلد الذي تنتمي له الهيئة القضائية مما سيجعل إمكانية تطبيق القانون الأجنبي مرتبطا ببنية تلك قواعد و بدرجة قبولها لاعتماد القوانين الأجنبية لحل التنازع. و كدليل على العلاقة بين تحديد القاضي المختص و طبيعة الحل النهائي للنزاع أن كل الأنظمة القضائية تعتبر أن بعض النزاعات المحددة حصرا لا يقبل فيها تعهد أي نظام قضائي أجنبي و لذلك تضعها كل القوانين ضمن صنف من أصناف الاختصاص يسمى الاختصاص الاقصائي أي الذي لا يجوز أن تتعهد به محاكم غير المحاكم الوطنية ، وهو الاختيار الذي تحميه أساسا القواعد التي تنظم الاعتراف بالأحكام الأجنبية إذ أنه من المتفق عليه أن النزاعات الداخلة ضمن صنف الاختصاص الاقصائي لا يمكن في شأنها اكساء أي حكم أجنبي بالصيغة التنفيذية. و مقابل حالات الاختصاص الإقصائي المنظمة في القانون التونسي بالفصل 8 من م ق د خ ، فإن بقية حالات الاختصاص هي من قبيل الاختصاص الممكن أو الاحتمالي الذي هو اختصاص ينظمه القانون و يمنحه لقضائه الوطني إلا أن ذلك لا يعني الرفض المبدئي للقرارات الأجنبية الصادرة في نفس النزاعات إذا احترمت شروط الاعتراف بها . و يطرح موضوع الاختصاص الممكن للمحاكم التونسية في مادة القانون الدولي الخاص بالأساس تحديد المعايير المتبعة لمنح الاختصاص للمحاكم التونسية للنظر في النزاعات التي تطرح أمامها. و مع صدور مجلة القانون الدولي الخاص سنة 1998 اتضح سعي المشرع لتقديم مجلة ذات خصائص بيداغوجية مميزة و حلول قانونية واضحة ، كما كانت اختياراته ساعية للقطع مع بعض التوجهات الفقه قضائية السابقة لصدور المجلة و خصوصا تلك المكرسة لما سماه الفقه بامتياز الجنسية بوجهيه سواء المتعلق بتنازع القوانين أو المتعلق بتحديد القاضي المختص. و نظرا لأن التمييز المعتمد من فقه القضاء السابق لصدور مجلة القانون الدولي الخاص كان مؤسسا على الجنسية التونسية لأحد طرفي النزاع فقد كان الحل الذي ارتآه واضعو المجلة لتجاوز ذلك الامتياز هو تحييد معيار الجنسية في خصوص منح الاختصاص للقاضي التونسي فأصبح منح الاختصاص للقاضي التونسي للنظر في النزاعات مرتبطا بالعديد من المعايير العامة و الخاصة و يستثنى من هذه المعايير معيار الجنسية. و رغم التغير الذي شهده القانون التونسي مع صدور المجلة فإن الواضح أن فقه القضاء التونسي لم "يهضم" جيدا هذا التغير و بقي متمسكا ببعض التوجهات السابقة لصدور المجلة التي تم الحفاظ عليها بصيغ مختلفة سواء بشكل صريح مباشر أو بشكل ضمني أو تم البحث عن اجتهادات تمكن من إبقاء نتائجها مع تغيير أسسها. و إذا كان الأصل أنه عندما يكون النص واضحا فإن البحث عن معايير إسناد الاختصاص يكون تلقائيا بالبحث في النص لا أكثر ، فإننا في موضوع هذه المحاضرة أمام نص واضح يحدد معايير الاختصاص و مع ذلك نجد فقه القضاء يعتمد إلى جانبها معايير تختلف عن تلك التي يقرها النص بل تتناقض معها وهو ما يجعلنا نتناول مسألة الاختصاص الممكن للمحاكم التونسية من خلال : البحث في معايير الاختصاص الممكن المكرسة تشريعيا في جزء أول يوازيه بحث في معايير الاختصاص الممكن المكرسة من فقه القضاء في جزء ثان.

الجزء الأول : المعايير التشريعية للاختصاص الممكن في مادة القانون الدولي الخاص. تنقسم المعايير المعتمدة من قبل المشرع لمنح الاختصاص الممكن للمحاكم التونسية إلى صنفين من المعايير: 1. صنف متمثل في معايير عامة غير مرتبطة بنزاع محدد 2. صنف متمثل في معايير خاصة ينطبق كل واحد منها على نوع محدد من النزاعات

الفرع الأول : المعايير العامة لإسناد الاختصاص الممكن في مادة القانون الدولي الخاص. بالعودة إلى مجلة القانون الدولي الخاص يتضح أن الفصول 3 و 4 و 7 تضبط معايير يسند على أساسها الاختصاص و التي تنطبق بغض النظر عن طبيعة النزاع ، وهي تباعا مقر المطلوب -1- و إرادة الأطراف -2- ثم الارتباط بقضية منشورة لدى المحاكم التونسية -3- . 1- معيار مقر المطلوب : أورد الفصل 3 م ق د خ أنه " تنظر المحاكم التونسية في النزاعات المدنية و التجارية بين جميع الأشخاص مهما كانت جنسيتهم إذا كان المطلوب مقيما بالبلاد التونسية ". و هذه القاعدة المعتمدة من مختلف الأنظمة القانونية هي امتداد للقاعدة المكرسة على مستوى القانون الداخلي – فصل 30 م م م ت - و التي يمثل فيها مقر المطلوب حجر الزاوية بالنسبة للاختصاص الترابي . و الملاحظ أن الفصل الثاني من م م م ت كان قبل صدور مجلة القانون الدولي الخاص يؤول لإقرار اختصاص المحاكم التونسية المؤسس على إقامة المطلوب بالبلاد التونسية ، فكان وجه التجديد الذي جاءت به مجلة القانون الدولي الخاص هو في وضوح الحل و عدم الحاجة للتأويل . كما أن الوجه الآخر للتجديد الذي جاءت به م ق د خ باعتمادها هذا المعيار كمبدأ عام أنها وضعت حدا لما استقر عليه فقه القضاء السابق لصدور المجلة من قبول النظر في الدعاوى المرفوعة عند توفر الجنسية التونسية وهو الأمر الذي تعارف الفقه على تسميته بامتياز الجنسية و كان محل نقد شديد من عدد من الفقهاء البارزين مثل الأستاذين محمد الشرفي و علي المزغني رغم أنه – أي معيار الجنسية كضابط للاختصاص القضائي – مكرس من التشريعات المقارنة مثل القانون الفرنسي الذي يمنح إلى اليوم المحاكم الفرنسية اختصاصا للنظر في القضايا التي يكون فيها أحد الطرفين فرنسي الجنسية . و معيار مقر المطلوب معتمد بشكل واسع على المستوى الدولي من ذلك تكريسه في الاتفاقيات الدولية مثل اتفاقية بروكسال المعتمدة في 27 ديسمبر 1968 بين دول الاتحاد الأوروبي و اتفاقية لوقانو المبرمة بتاريخ 16 سبتمبر 1988 بين دول الجمعية الأوروبية للتبادل الحر. ويقتضي اعتماد معيار مقر المطلوب كأساس لاختصاص المحاكم الوطنية على المستوى الدولي، تحديد مفهوم المقر – أ- ، و ضبط مجال تطبيقه – ب- . أ‌- مفهوم المقر : يعرف المشرع التونسي المقر ، طبقا للفصل 7 م م م ت ، كما يلي "المقر الأصلي للشخص هو المكان الذي يقيم به عادة ، و المكان الذي يباشر فيه الشخص مهنته أو تجارته يعتبر مقرا اصليا له بالنسبة للمعاملات المتعلقة بالنشاط المذكور ". و طبقا للتعريف التشريعي الذي تغلب عليه الصبغة الواقعية فإن المقر يتكون من عنصرين هما الإقامة و التعود بحيث يمكن القول أن المقر = الإقامة + التعود، و يبقى تحديد معياري الإقامة الفعلية و التعود راجعة لاجتهاد القضاء باعتبارها عناصر واقعية تستنتجها المحكمة من ملابسات القضية. و الملاحظ أن الفصل 3 م ق د خ يستعمل مصطلح الإقامة و إن كان الفقه مستقرا على اعتبار الأمر متعلقا بالمقر – النص الفرنسي يستعمل مصطلح المقرdomicile - و أن الإقامة العرضية مثلا غير كافية لإسناد الاختصاص إذا لم يتوفر عنصر التعود. و لا يرى الفقه أنه يشترط أن كون إقامة المطلوب شرعية بالبلاد التونسية لإسناد الاختصاص ، فإذا ثبتت إقامته على معنى الفصل 7 م م م ت ثبت اختصاص المحكمة و لو كان المطلوب في تنازع مع القانون الخاص بإقامة الأجانب ، بسبب عدم تجديد بطاقة الإقامة أو فقدان أحد الشروط التي تتيح له الإقامة بالبلاد التونسية ، أو أي سبب آخر . و ينطبق الفصل الثالث م ق د خ على المطلوب سواء كان ذاتا طبيعية أو ذاتا معنوية . فبالنسبة للذات الطبيعية فإن المقر يكون إما مقرا أصليا الذي هو مقر الإقامة المعتاد أو مكان ممارسة المهنة فيما يتعلق بالمعاملات المتصلة بها ، أو مقرا مختارا أي المكان المتفق عليه للقيام بعمل معين . أما بالنسبة للذات المعنوية فيقع الرجوع إلى النصوص الخاصة المتعلقة بها لتحديد مقرها مثل الفصل 10 م ش ت الذي ينص أن مقر الشركة يقع "بمركزها الرئيسي و يكون هذا المركز كائنا بالمحل الذي به قيام الإدارة الفعلية للشركة" ، و بذلك فإن المشرع لا يعتبر مقر الشركة المعين بقانونها الأساسي لأنه قد يكون صوريا لا علاقة له بالواقع و إنما تبنى مفهوما واقعيا يقوم على تحديد المقر الحقيقي . و يجد معيار مقر المطلوب مبررات اعتماده على مستوى القانون الدولي كضابط للاختصاص على تحقيقه لهدفين رئيسيين هما رفاهة الأطراف و حسن تنظيم مرفق القضاء : أولا : تحقيق رفاهة الأطراف . مثلما هو الحال على مستوى القانون الداخلي يبرر اعتماد مقر المطلوب بضرورة حماية الطرف الذي ترفع ضده الدعوى باعتباره يتمتع بقرينه براءة الذمة حتى يثبت تعميرها طبقا للفصل 560 م إ ع، إضافة إلي القاعدة الأصولية الواردة بالفصل 562 م إ ع التي تنص على مبدأ " بقاء ما كان على ما كان و على من يدعي تغييره الإثبات " أي أنه على من يطرق باب التقاضي أن يتحمل تبعات ادعاءاته حتى تثبت صحتها و إذا كان هذا المبدأ مقررا على المستوى الداخلي فمن باب أحرى أن يقرر على مستوى القانون الدولي لأن مشاق التقاضي ستكون اكبر. كما تضاف للحجة السابقة حجة ثانية تحقق رفاهة القائم بالدعوى نفسه هذه المرة ، ذلك أن حصول المدعي على حكم من محاكم الدولة التي يقيم بها المطلوب يسهل عليه تنفيذه دون المرور بإجراءات الإكساء بالصيغة التنفيذية بل يكون التنفيذ امتدادا لما لمحاكم بلد المطلوب من سلطة على الأشخاص الموجودين فوق إقليمها . ثانيا : ضمان حسن تنظيم مرفق القضاء. إضافة إلى سعيها لحماية المصالح الخاصة للأطراف فإن قواعد الاختصاص تهدف إلى غاية ذات طبيعة عامة وهي حسن سير مرفق القضاء ، الذي يتحقق عندما تكون المحكمة المختصة هي المحكمة الأكثر قدرة على القيام بالوظيفة القضائية الحامية للسلم الأهلي من خلال فض النزاعات و إيصال الحقوق إلى أصحابها . و معيار مقر المطلوب هو من العوامل المحققة لهته الغاية لأنه يأخذ بعين الاعتبار مكان تركز مصالح المطلوب و ذمته المالية و نشاطاته المهنية و الخاصة بما يسهل الإثبات و التحقق من وجاهة الدعوى بالنسبة للهيئة القضائية المتعهدة بالدعوى لقربها من مجمل عناصر القضية. إضافة إلى أهمية البحث في مبررات اعتماد المقر كضابط لاختصاص القضاء ، فإن البحث عن تطبيقات المبدأ لا يخلو أيضا من وجاهة . 2- تطبيقات معيار "مقر المطلوب". إذا كان تحديد مفهوم المقر لا يطرح إشكاليات خاصة فإن تنزيل المعيار إلى مستوى التطبيق ربما لا يكون بنفس الوضوح سواء من خلال تحديد مجال الانطباق أو من خلال التعامل مع بعض الصعوبات التي تعترض التطبيق خصوصا عند تعدد المطلوبين. أولا : مجال تطبيق قاعدة مقر المطلوب : تطبيقا للمبدأ الوارد بالفصل 3 م ق د خ فإن المحاكم التونسية تنظر في كل الدعاوى المدنية و التجارية مهما كانت جنسية الأشخاص إذا كان المطلوب مقيما بالبلاد التونسية. و بذلك فإن التونسيين و الأجانب ، أشخاصا طبيعيين كانوا أم معنويين متساوون في الخضوع لاختصاص القاضي التونسي بمجرد توفر عنصر إقامة المطلوب بتونس ، و بالمقابل إذا لم يكن المطلوب مقيما بتونس فإنه حتى لو كان الطالب و المطلوب تونسيا الجنسية فلا يمكنهما تعهيد القاضي التونسي على أساس الفصل 3 م ق د خ. و هذا الفصل المطلق بين اختصاص المحاكم التونسية و معيار الجنسية يمثل تجديدا حملته م ق د خ و استجابة للنقد المتواصل الذي أبداه الفقه لاعتماد معيار الجنسية المنصوص عليه بالفقرة الثانية من الفصل 2 م م م ت و الذي يسمح بقبول الاختصاص إذا كانت الدعوى موجهة ضد تونسي مقيم بالخارج . و الملاحظ أن إلغاء معيار الجنسية و تعويضه بمعيار المقر جاء عاما على كل مواد القانون الدولي الخاص و و لم يراع الفروق الموجودة بين مادة الأحوال الشخصية و بقية المواد إذ رغما على أن المعطى الشخصي يبقى الأبرز و الأهم في مادة الأحوال الشخصية إلإ أن ذلك لم يشفع لها ؟؟ فهل من المنطقي أن تونسيين تزوجا بتونس و غادرا للإقامة خارج البلاد يفقدان بمغادرتهما للبلاد حق طلب الطلاق أمام محاكمهما الوطنية ؟؟ بحيث إذا رام أحدهما لعودة للبلاد للإقامة بها فلا يمكنه الانفصال عن قرينه إلا أمام محاكم البلد الذي كان مقيمان فيه ؟؟؟ و الأمر يصبح أشد سوءا إذا تزوج تونسيان و غادر أحدهما البلاد تاركا القرين للإهمال ببلده ، فلا يمكن لهذا الأخير طلب الطلاق إلا باللحاق بقرينه حيث وجد و طلب الطلاق هناك ، هذا إذا كان عارفا أصلا بمكان إقامته و قادرا ماديا و قانونيا على تحمل تبعات السفر؟؟ . لا يبدو المشرع موفقا في الصبغة القطعية للتوجه الذي تبناه باستبعاد الجنسية كمعيار لإسناد الاختصاص في كل المواد ، وهو تعميم غير وجيه خصوصا و أن القانون المقارن ما زال يعتمد الجنسية كأحد ضوابط الاختصاص ، هذا إضافة إلى أن المشرع التونسي نفسه يعتمد الجنسية لتحديد الاختصاص التشريعي أي لتحديد القانون المنطبق في مادة الأحوال الشخصية ، فما مبرر اعتمادها هناك و إقصاءها هنا؟؟ هذا فيما يتعلق بالأشخاص ، أما من حيث طبيعة الدعوى فإن الفصل 3 يورد أنها النزاعات المدنية التجارية و هذه الصبغة المطلقة تأخذ على إطلاقها لتشمل النزاعات المتعلقة بالأحوال الشخصية و بالحالة المدنية للأشخاص و دعاوى المسؤولية عقدية كانت أم تقصيرية إضافة إلى الدعاوى العينية و المختلطة . إلا أن ذلك لا يمنع من أن مقر المطلوب ليس دائما المعيار المناسب لإسناد الاختصاص في العديد من الدعاوى ، و لأجل ذلك فإن المشرع نفسه يسند الاختصاص للمحاكم التونسية في بعض الحالات دون اشتراط لتوفر إقامة المطلوب على التراب التونسي خصوصا عندما يتعلق الأمر بعقار موجود بالبلاد التونسية أين يسند الاختصاص حصرا للقضاء التونسي وهو ما يدعم بعدم إمكانية تنفيذ الأحكام الصادرة عن محاكم أجنبية إذا تعلقت بعقار موجود على التراب التونسي طبقا للفصل 11 م ق د خ ، و نفس الأمر يقال أيضا عن بقية الصور الواردة بالفصل 8 م ق د خ و أيضا بحالة قبول المطلوب التقاضي أمام المحاكم التونسية مثلما ينص على ذلك الفصل 4 م ق د خ. ثانيا : صورة تعدد المطلوبين : قد يحدث في التطبيق أن يتعلق نزاع ما بأكثر من شخصين كأن يكون هناك عدة مدعين مقابل مطلوب واحد أو مدع على عدة مطلوبين وهي الصورة التي قد تطرح أسئلة حول الاختصاص الدولي للمحاكم التونسية عندما لا يكون لكل المطلوبين بلد واحد للإقامة كأن يقيم أحدهم بتونس و آخر خارج تونس ، فهل يصرح القاضي التونسي باختصاصه أم ينكر الاختصاص؟ لا توفر م ق د خ أي إجابة في هذا الخصوص خلافا لبعض القوانين المقارنة التي تسند الاختصاص لقضائها الوطني بمجرد إقامة احد المطلوبين فوق ترابها .

يرى بعض الدارسين أن نفس الحل أولى بالاعتماد أمام القضاء التونسي لسببين أولهما أن القاعدة المقررة بالفصل 3 م ق د خ هي امتداد على المستوى الدولي للقاعدة المقررة بالفصل 30 م م م ت فوجب مواصلة تبني نفس المنطق و استلهام الحل الموجود بالفقرة الثانية من الفصل 30 م م م ت الذي يمنح للطالب الخيار في القيام أمام محكمة مقر أحد المطلوبين ، و ثانيهما أن تعدد المطلوبين يمثل حالة من حالات الارتباط بين الدعاوى لو تم القيام بكل واحدة منها على حدة وهو الارتباط الذي يوجب أن يتم الفصل في القضية من هيئة قضائية واحدة تحقيقا لحسن سير مرفق العدالة و هو ما يجد سنده في الفصل 7 م ق د خ . إضافة إلى مقر المطلوب المقرر بالفصل 3 من م ق د خ فإن المشرع يقرر بالفصل 4 م ق د خ معيارا آخر ذا صبغة عامة ينطبق على مختلف النزاعات وهو اتفاق الأطراف. 2- معيار إرادة الأطراف. ينص الفصل 4 م ق د خ على أنه " تنظر المحاكم التونسية في النزاع إذا عينها الأطراف أو إذا قبل المطلوب التقاضي لديها إلا إذا كان موضوع النزاع حقا عينيا متعلقا بعقار كائن خارج البلاد التونسية ". يتناول هذا الفصل دور إرادة الأطراف في مسألة الاختصاص الدولي للمحاكم التونسية ، وهو ما يطرح التساؤل حول وجاهة وجود دور لإرادة الأطراف في مادة الاختصاص الدولي للمحاكم ؟ خصوصا أنه لو طرح السؤال على المستوى الداخلي لكان الجواب واضحا أنه في مادة الاختصاص الحكمي لا أثر لإرادة الأطراف لارتباط المادة بالنظام العام، فيما يكون دور الإرادة مقبولا في مادة الاختصاص الترابي لعدم تعلقها بالنظام العام . لا بد من الانطلاق بداية بالقول أن قبول دور لإرادة الأطراف في تحديد اختصاص المحاكم عموما لم يكن في فترة ما مقبولا من حيث المبدأ من طرف جزء معتبر من الفقه ، الذي يرى أن الاختصاص القضائي هو في صميم إدارة مرفق القضاء وهو بذلك وثيق الصلة بسيادة الدولة على إقليمها و على مؤسساتها القضائية ، مما يجعله مسألة من النظام العام و لا يقبل بالتالي أن يكون لإرادة الأطراف الخاصة أي دور في منح الاختصاص أو في منعه . إلا أن الفقه انتهى إلى التخلي عن هذا الموقف اعتبارا و أنه حتى و إن كان القضاء مرفقا عاما فإنه يبقى مرفقا يهدف إلى احترام مصالح المتقاضين بما يعنى قبول مبدأ تدخلهم في تحوير قواعد الاختصاص و التأثير فيها دون أن يصل ذلك التأثير المباح إلى حد المساس بسيادة الدولة وهو الحد لدور الإرادة . و تدخل الإرادة في مادة الاختصاص الدولي للمحاكم يتخذ صورتين : تدخل ايجابي أي توسيع اختصاص المحاكم التونسية و تدخل سلبي أي سحب الاختصاص من المحاكم التونسية ، و قد جاء الفصل 4 م ق د خ بتنظيم جزء واحد من المسألة وهو المتعلق بالتدخل الايجابي للإرادة فأجاز صراحة ذلك ، إلا أنه و رغم سكوت الفصل 4 عن التدخل السلبي فإن هذا لا يفهم منه أنه منع للاتفاقات المضيقة لولاية المحاكم التونسية إذ يبقى من الجائز للأطراف الاتفاق على منح اختصاص النظر بنزاعهم إلى محكمة أجنبية و ذلك بالرغم من توفر سند موضوعي لاختصاص المحاكم التونسية كإقامة المطلوب بتونس. و يمكن تأسيس قبول التدخل السلبي للإرادة على حجتين : 1. فمن جهة أولى أجاز الفصل 5 م ق د خ صراحة الاتفاق على منح الاختصاص في المادة التعاقدية إلى المحاكم الأجنبية ، وهو موقف يمكن الانطلاق منه لتعميمه على باقي المواد طالما أنه يظهر قبولا مبدئيا من المشرع لهذه الاتفاقيات. 2. و من جهة ثانية فإنه و طالما تعلق الأمر بمصالح الأطراف الخاصة و طالما أن إرادة المطلوب ذاته قد اتجهت لقبول اختصاص محكمة أجنبية فلا مانع من الأخذ بها مراعاة لهذه المصلحة . و لتدخل الإرادة في توسيع اختصاص المحاكم ايجابيات عديدة على مستوى القانون الدولي الخاص : • فهو يمكن من إيجاد حلول لوضعيات يكون فيها تحديد المحكمة المختصة أمرا معقدا لتعدد الأنظمة القانونية المؤهلة لتكون مختصة بالنظر في النزاع خصوصا أن الطابع الأحادي لقواعد الاختصاص يؤدي إلى صعوبة تحديد أي من المحاكم هي المختصة. • وهو يمكن الأطراف أيضا من معرفة قواعد تنازع القوانين المنطبقة على النزاع ، ذلك أن منح الاختصاص لنظام قضائي ما يعنى أن قواعد التنازع المعتمدة لتحديد القانون المنطبق ستكون بالضرورة تلك الراجعة لذات النظام القضائي المختص. • وهو يوفر أيضا أمانا قانونيا مندوبا خصوصا في مادة التجارة الدولية و يستبعد إمكانيات تلاعب الأطراف ، كسعي الطرف سيء النية إلى تغيير مقره للتأثير على تحديد المحكمة المختصة ، كما يؤدي في الغالب إلى تجاوز الدفع بعدم الاختصاص الذي قد يطيل أمد النزاع و ذلك لسبق الاتفاق بين الأطراف. • وهو يمكن الأطراف كذلك من الاختيار المسبق لنظام قضائي يتوفر فيه الحياد خصوصا إذا لم يكن ذلك النظام القضائي هو نظام دولة أحد أطراف العلاقة القانونية. هذه الايجابيات المتعددة تحمل على التساؤل حول دور الإرادة المشتركة في توسيع الاختصاص الدولي للمحاكم التونسية ؟ وهو ما يمكن تفصيله من خلال معرفة مختلف صور التوسيع الإرادي لاختصاص المحاكم التونسية . و بالعودة للفصل 4 م ق د خ نجد صورتين للتوسيع الإرادي للاختصاص، الأولى عبر اتفاق صريح بين الأطراف قبل نشأة النزاع -1- و ثانيهما يستنتج من خلال تصرفات الأطراف بعد انطلاق التقاضي -2-. أ‌- الصورة الأولى: الاتفاق الصريح بين الأطراف. من المتداول أن يتفق أطراف عقد دولي ما على شرط مضمن بالعقد يكون مسندا للاختصاص لنظام قضائي لدولة معينة و ذلك بصفة سابقة لنشوء النزاع ، و بناء على ذلك من الممكن إسناد الاختصاص للقاضي التونسي و الحال أنه غير مختص انطلاقا من القواعد العادية للاختصاص. و هذا هو ما تنص عليه الفقرة الأولى من الفصل 4 م ق د خ التي تقرر قبول مبدأ الشرط المسند للاختصاص ، إلا أن هذا القبول لا يكون إلا بعد التثبت من صحة الشرط نفسه. و بسبب الإيجابيات التي سبق استعراضها لاتفاق الأطراف على المحكمة المختصة ، يجعل القانون التونسي مشروعية لشرط توسيع الاختصاص و يجعل منه مبدأ و الحال أنها على مستوى القانون الداخلي لا تقبل إلا إذا تعلق الأمر بالاختصاص الترابي دونا عن الاختصاص الحكمي الذي لا تأثير لإرادة الأطراف عليه حسب صريح الفصل 3 م م م ت . و مشروعية الشرط المسند للاختصاص للمحاكم التونسية جاءت بالفصل 4 م ق د خ بشكل أكثر شمولا و وضوحا مما كانت عليه في الفصل 2 فقرة 3 م م م ت الذي كان يقتصر على القبول الضمني للاختصاص من المدعي عليه الأجنبي من خلال عدم إثارته للدفع بعدم الاختصاص ، في حين أصبحت عملا بالفصل 4 م ق د خ مستقلة عن جنسية أي من الأطراف . بالنسبة للقانون المقارن فالملاحظ مثلا أنه في القانون الفرنسي و مع صدور مجلة المرافعات المدنية الجديدة سنة 1975 فقد نص فصلها 48 على منع كل اتفاق من شأنه أن يخالف بصفة مباشرة أو غير مباشرة قواعد الاختصاص الترابي ، فطرح السؤال حول وجوب تطبيق هذا المنع على المستوى الدولي ؟ . و قد جاء الجواب من محكمة التعقيب الفرنسية التي رفضت امتداد المنع المتعلق بالاتفاق حول الاختصاص القضائي إلى المستوى الدولي و اعترفت بشرعية الشرط الموسع للاختصاص الدولي إذا تعلق الأمر بنزاع دولي شرط أن لا يمس الاتفاق بقاعدة آمرة للاختصاص الترابي لمحكمة فرنسية . و تجسيدا لهذا الشرط يقصي القانون الفرنسي من دائرة التوسيع الإرادي للاختصاص القضائي النزاعات التي ليس للأطراف فيها حرية التصرف في الحقوق ، و من ذلك أن الاتفاق المسند للاختصاص يكون غير مشروع بالنسبة للنزاعات المتعلقة بالحالة الشخصية أو بأهلية الأشخاص و بكل ما يتعلق بالعلاقات العائلية التي تخرج عن مجال الذمة المالية . و بالنسبة لمجال تدخل إرادة الأطراف لتوسيع الاختصاص في القانون التونسي فالملاحظ أن المشرع اكتفى بالإشارة إلى أن منح الاختصاص إلى المحاكم التونسية لا يكون فاعلا إذا كان موضوع النزاع حقا عينيا متعلقا بعقار موجود خارج البلاد التونسية وهو موقف مقبول و معتمد من جميع القوانين المقارنة التي تمنح الاختصاص المطلق في المادة العقارية لمحاكم مكان وجود العقار. و يطرح تساؤل حول بقية حالات الاختصاص المطلق للمحاكم التونسية ، هل يجوز فيها أي تأثير للإرادة في تحوير الاختصاص ؟ يرى الفقه أنه يجب فهم استثناء العقارات الوارد بالفصل 4 أنه جاء على سبيل الذكر لا الحصر و أنه لا تقبل الاتفاقات في جميع المواد المنتمية لصنف الاختصاص المطلق . إلا أن سؤال مشروعية الشرط قد يكتسب وجاهة خاصة في مادة النزاعات العائلية ، و يمكن في هذه المادة بالذات عرض موقفين متعارضين لكل منهما حجج تدعمه : 1. الموقف الأول يعتبر أنه انطلاقا من عمومية عبارات الفصل 4 م ق د خ فلاشيء يمنع من يكون الشرط الموسع للاختصاص شاملا لكل المواد إلا ما استثناه المشرع ، وهو في أدناه ما ورد بالفصل 4 م ق د خ أي إذا كان موضوع النزاع حقا عينيا متعلقا بعقار كائن خارج البلاد التونسية و في أقصاه كل الحالات الواردة بالفصل 8 م ق د خ و الداخلة في مجال الاختصاص الاقصائي للمحاكم التونسية. وهو الموقف الذي يتدعم برأي البعض من كون القانون التونسي يجهل الطابع الآمر للاختصاص الترابي بما يجعل سحب موقف فقه القضاء الفرنسي على القانون التونسي أمرا غير مبرر قانونا . وهو الموقف الذي لقي صدى أيضا لدى فقه القضاء إذ أكدت محكمة التعقيب في قرار صادر في 22 أكتوبر 2004 أنه " بإمكان أطراف النزاع التقاضي لدى المحاكم التونسية إلا إذا كان موضوع النزاع يتعلق بحق عيني كائن خارج البلاد التونسية أي أن الاستثناء الوحيد هو في صورة تعلق النزاع بحق عيني و ليس بحق شخصي ". 2. الموقف الثاني وهو يبدو أكثر تناغما مع النصوص القانونية ، و إن كان أكثر شدة من حيث الأثر ، وهو أن شرط توسيع الاختصاص لا يشمل الحقوق التي ليس للأطراف التصرف فيها مثل نزاعات الأحوال الشخصية ذلك أنه إذا أتيح للأطراف التأثير على ولاية القضاء فسيتيح لهم ذلك التأثير على القانون المنطبق لأن تعيين القاضي المختص يؤدي مباشرة إلى تعيين قاعدة التنازع فالقاضي المتعهد يطبق آليا قاعدة التنازع الخاصة بنظامه القانوني ، خصوصا و أن المشرع التونسي يمنع تدخل الإرادة في تحديد القانون المنطبق عندما يتعلق الأمر بمواد ليس للأطراف حرية التصرف فيها. و قد سارت أغلب التشريعات المقارنة في اتجاه تحجير تدخل الإرادة في الاختصاص كلما كان للنزاع طابع شخصي – وهو الشكل الأبرز للحقوق غير القابلة للتصرف- مثل القانون الفرنسي و القانون السويسري و غيرهما . و وجه الشدة في هذا الموقف أنه يمنع الاعتماد على الفصل 4 م ق د خ لتأسيس الاختصاص في حالات الأحوال الشخصية –خصوصا الطلاق- عندما لا يتوفر فيها معيار مقر المطلوب مما يعقد التقاضي على كل زوج يرغب في فصم العلاقة الزوجية و يضعه تحت رحمة الطرف المقابل الذي يكتفي بمغادرة التراب التونسي ليترك قرينه معلقا بين عجزه عن التقاضي أمام المحاكم الأجنبية و رفض محاكمه الوطنية النظر في دعواه ، وهي الحالات الأكثر تواجدا في التطبيق. و إضافة لمسألة مشروعية الشرط المسند للاختصاص لا بد من الاهتمام بصحة الشرط نفسه، و سبب ذلك أن الإقرار بمشروعية الشرط المسند للاختصاص لا يعني بصورة آلية صحة الشرط، فالصحة تعني التثبت من توفر شروط التكوين وهي مسألة منفصلة عن قبول مبدأ التأثير في الاختصاص القضائي للمحاكم التونسية. و لذلك كان من الضروري تحديد القانون الذي تتم العودة إليه للنظر في صحة الشرط؟ وهو أمر ليس محل اتفاق من الفقه الذي يقر إلى الآن بصعوبة الحسم في هذه النقطة بالذات بسبب كون الاتفاق على توسيع اختصاص المحاكم الوطنية هو في الحقيقة ذا طبيعة مزدوجة فهو من ناحية مسالة إجرائية لتعلقه بالاختصاص وهو من ناحية ثانية يعد عقدا يجب معرفة القانون المنطبق في شأنه. يرى الأستاذ على المزغني في هذا الشأن أنه " بدون أدنى شك يرجع تقدير صحة الشروط المسندة للاختصاص إلى قانون المحكمة كما هو الحال بالنسبة لجملة قواعد الاختصاص القضائي" . في المقابل و انطلاقا من ضرورة الفصل بين مشروعية الاتفاق المسند للاختصاص من ناحية و مسالة صحة الشرط من ناحية أخرى، يرى جانب من الفقه أنه إذا كان قانون المحكمة هو الوحيد المؤهل لتقدير مشروعية تأسيس الاختصاص على إرادة الأطراف فإن صحة الشرط نفسه تبقى خاضعة كبقية الاتفاقات إلى معايير صحة التصرفات القانونية فتخضع شروط صحة الاتفاق المسند للاختصاص إلى القانون المنطبق على العقد طبقا لقاعدة التنازع وهو ما يمكن في الآن نفسه من المحافظة على وحدة العقد الذي يحتوي شرط إسناد الاختصاص. و ينص الفصل 68 م ق د خ أن العقد يعتبر صحيحا شكلا إذا توفرت فيه الشروط التي عينها القانون المنطبق على العقد أو قانون مكان إبرامه. و بالإضافة إلى صورة الاتفاق الصريح بين الأطراف فإن قبول الاختصاص من المطلوب يعد صورة ثانية من صور دور الإرادة في إسناد الاختصاص . ب‌- الصورة الثانية : قبول اختصاص المحاكم التونسية من المطلوب. يتأسس اختصاص المحاكم التونسية في هذه الصورة على قبول التقاضي أمامها الصادر عن المطلوب ، و يكون هذا القبول صريحا أو ضمنيا وهي الصورة الغالبة. و خلافا للشرط المسند للاختصاص و الذي يضمن صلب اتفاق بين الأطراف قبل نشأة النزاع فإن قبول التقاضي أمام المحاكم الوطنية هي فرضية لاحقة لنشوء النزاع ، إذ يقوم أحد الأطراف بتعهيد المحاكم الوطنية ، من خلال استدعاء خصمه أمامها، دون وجود رابط موضوعي للاختصاص و دون سبق الاتفاق بين الطرفين على الاختصاص فما هي في هاته الحالة الشروط التي يتطلبها قبول المحكمة للنظر في النزاع ؟ أي هل يكفي بلوغ الاستدعاء للمطلوب لاستنتاج قبوله للاختصاص ؟ أم يكفي حضوره لذلك ؟ أم لا بد من شروط أخرى؟ يفترض التوسيع الضمني لاختصاص المحاكم الوطنية حضور المطلوب أمام المحكمة و جوابه في الأصل دون الدفع بعدم اختصاص المحكمة وهو ما يبرر قانونا باحترام الفصل 10 م ق د خ و فيه " يجب إثارة الدفع بعدم اختصاص المحاكم التونسية قبل الخوض في الأصل " . و يعتمد الفقه لتفسير هذه القاعدة على قرينة علم المدعي عليه بنتائج موقفه الإجرائي المتمثل في الحضور أمام القضاء الوطني و خوضه في الأصل دون السعي لمعارضة خصمه بانعدام اختصاص المحكمة الوطنية . و قد أقرت عديد التشريعات المقارنة هذا المبدأ كما أقرته الاتفاقيات الدولية مثل الاتفاقية الأوروبية الصادرة في 27 سبتمبر 1968 ببروكسال حيث ينص فصلها 18 على قاعدة القبول الضمني للاختصاص الدولي بين الدول المتعاقدة. و قد وجدت المحاكم التونسية مبررا في هذه القاعدة لقبول اختصاصها خاصة في النزاعات العائلية الدولية و بصفة أخص تلك المتعلقة بدعاوى الطلاق من تونسي ضد قرينه المقيم بالخارج ، إذ وقع الاكتفاء في عديد الأحكام بالتثبت من القيام بعملية الاستدعاء وفق الطريقة المنصوص عليها صلب الفصل 10 م م م ت أو المنصوص عليها ضمن اتفاقيات التعاون القضائي و ذلك لتأسيس ولاية المحكمة للنظر في النزاع. و رأى بعض الدارسين في هذا الموقف مخالفة لأحكام م ق د خ بل رد فعل على البعض من أحكامها ، و محاولة للتوفيق بين ضرورات إيجاد حل لحالات متكررة و بين وجوب عدم مخالفة القضاء للنص القانوني تم اللجوء لفكرة تلافي إنكار العدالة . و الملاحظ أن الاستثناءات المذكورة سابقا في خصوص اتفاق الأطراف الصريح تبقى أيضا عندما يتعلق الأمر باتفاقهم الضمني بحيث لا يجوز قبول لاختصاص المؤسس على قبول المطلوب للتقاضي إذا تعلق الأمر بحالة من حالات الاختصاص الاقصائي. و إضافة إلى معيار مقر المطلوب و معيار إرادة الأطراف المسندين للاختصاص بغض النظر عن طبيعة النزاع يوفر الفصل 7 م ق د خ ضابطا ثالثا ذا طبيعة عامة وهو الارتباط بقضية منشورة. ت‌- معيار الارتباط بقضية منشورة أمام المحاكم التونسية: ينص الفصل 7 م ق د خ أنه " تنظر المحاكم التونسية في الدعاوى التي لها ارتباط بالقضايا المنشورة أمام المحاكم التونسية". و يعد هذا الفصل تكريسا و توسيعا لقاعدة واردة سابقا بالفقرة السادسة من الفصل 2 م م م ت و فيه أن المحاكم التونسية تنظر في الدعاوى ضد الأجنبي المقيم خارج التراب التونسي "إذا كانت للدعوى صلة بقضية قائمة أمام القضاء التونسي ". و يتجه لفهم معيار الارتباط تحديد مفهومه – أ- قبل التعرض لبعض صوره – ب- . أ‌- مفهوم الارتباط بقضية منشورة: يقصد بالارتباط بين الدعاوى الوضعية التي تكون فيها دعويان قضائيان ، منفصلتان من الناحية الإجرائية ، متصلان لدرجة أن الفصل في إحداهما يؤثر على الفصل في الأخرى . و الترابط المقصود هنا هو ذلك الذي يكون بين دعوى أصلية هي من اختصاص القضاء التونسي بموجب أحد المعايير المعتمدة تشريعيا ، و دعوى فرعية خارجة – لو أخذت منفردة- عن اختصاص القضاء التونسي ، و يسمح الارتباط للمحاكم الوطنية المتعهدة بالدعوى الأصلية بالنظر في الدعوى الفرعية انطلاقا من تلك العلاقة الجدية و الوثيقة. فيمكن القول إذن أن الارتباط يحقق توسيعا في الاختصاص الدولي للمحاكم التونسية بجلب نزاعات دولية تخرج مبدئيا عن ولايته بغرض تجميع النزاعات المتصلة أمام هيئة قضائية واحدة تفاديا لتشتت الإجراءات و تسهيلا على المتقاضين كل ذلك في إطار عنوان عام هو ضمان حسن سير مرفق القضاء من خلال ضمان تناسق الحلول القضائية و تفاديا لإصدار أحكام متناقضة. و يخضع تقدير جدية الارتباط و كفايته للسلطة التقديرية لقاضي الأصل الذي عليه التثبت من توفر عناصر الارتباط المؤسسة لاختصاصه الفرعي ، إلا أن ممارسة هذه السلطة التقديرية في تقدير وجود الارتباط يخضع لرقابة محكمة التعقيب مثلما ذهب إلى ذلك فقه القضاء الفرنسي و أيضا فقه القضاء التونسي . و رقابة محكمة التعقيب في تقدير وجود الارتباط مبررة قانونا بكون وجود الارتباط من عدمه له تأثير مباشر على الاختصاص القضائي للمحاكم الوطنية وهي مسألة لا جدال أنها في صميم مهام محكمة القانون. ب‌- بعض صور الارتباط المؤسس للاختصاص.

يصرح القاضي التونسي باختصاصه للنظر في نزاع دولي على أساس معيار الارتباط في بعض الصور منها تعدد المطلوبين أو وجود مسالة أولية أو طلبات عارضة.

1- صورة تعدد المطلوبين. في صورة تعدد المطلوبون و وجود أحدهم لا غير مقيما بتونس كان القاضي التونسي مختصا بالنظر في الدعوى بدون الحاجة للتثبت في توفر عنصر مسند للاختصاص بالنسبة لبقية المطلوبين. و هذا الحل الذي يتأسس في مادة القانون الدولي الخاص على أحكام الفصل 7 م ق د خ موجود أيضا على مستوى القانون الداخلي إذ تمنح الفقرة الثانية من الفصل 30 م م م ت المدعي ، في صورة تعدد المطلوبين ، الخيار في رفع دعواه أمام المحكمة التي بدائرتها مقر أحدهم. إلا أنه ليس شرطا أن يتأسس اختصاص المحكمة بالضرورة على إقامة أحدهم بل من الممكن الاستناد إلى أي من المعايير الموجودة بمجلة القانون الدولي الخاص كمكان ارتكاب الفعل الضار أو مكان تنفيذ العقد أو غيره لتوسيع الاختصاص ليشمل بقية المطلوبين شريطة أن لا يكون معيار الارتباط الأول مفتعلا لجلب الاختصاص.

2- صورة وجود مسألة أولية: انطلاقا من أحكام الفصل 7 م ق د خ يمكن للقاضي التونسي المتعهد بدعوى أصلية تمت إثارة مسألة أولية لا تدخل في اختصاصه من قبل الأطراف ، أن يوسع مجال تعهده ليشمل تلك المسألة الأولية إذا كان لها تأثير على الفصل في القضية الأصلية. و يجد هذا الأمر تبريره في المبدأ الأصولي الإجرائي الذي يقتضي أن قاضي الدعوى هو قاضي الدفع و لو كان الدفع يخرج عن اختصاصه لو رفع أمامه بصفة مستقلة.

3- صورة وجود طلبات عارضة: تشمل الطلبات العارضة دعوى المعارضة التي يقوم بها المطلوب سواء لرد الدعوى الأصلية أو للمقاصة أو لغرم الضرر الناتج عن النازلة كما تشمل طلب الإدخال الإرادي أو الجبري للغير بوصفه ضامنا أو بهدف سحب الحكم الذي سيصدر عليه. و هذه الطلبات و إن خرجت عن اختصاص القاضي الوطني لو نظر إليها مستقلة ، تعود فتدخل في اختصاصه لارتباطها بدعوى منشورة أمامه و كانت من اختصاصه.

بعد دراسة المعايير العامة للاختصاص بمعنى انطباقها على مختلف الدعاوى، يتجه النظر في معايير خاصة قرر المشرع كلا منها لنوع معين من الدعاوى. الفرع الثاني : المعايير الخاصة لإسناد الاختصاص الممكن في مادة القانون الدولي الخاص. أورد المشرع هذه المعايير الخاصة في الحالات المذكورة بالفصلين 5 و 6 من م ق د خ ، و يمكن تصنيف هته الحالات إلى نوعين : حالات اختصاص مؤسس على وجود عنصر ارتباط موضوعي بين النزاع و النظام القانوني التونسي -1- و حالات اختصاص مؤسس على سعي المشرع لحماية الطرف الذي يراه ضعيفا -2- . 1- الاختصاص المؤسس على وجود عنصر ارتباط موضوعي بين النزاع و النظام القانوني التونسي. هذه الحالات هي نزاعات المسؤولية التقصيرية – أ- و النزاعات العقدية –ب- و تلك المتعلقة بالمنقولات –ت- و نزاعات الملكية الفكرية –ث- و نزاعات التركات –ج- . أ‌- نزاعات المسؤولية التقصيرية: تنص الفقرة الأولى من الفصل 5 م ق د خ على أن المحاكم التونسية تنظر " في دعاوى المسؤولية التقصيرية إذا ارتكب الفعل الموجب للمسؤولية أو حصل الضرر بالبلاد التونسية". و هذه القاعدة أكثر حماية للمتضرر الطالب من تلك التي كانت بالفصل 2 فقرة رابعة م م م ت و التي كانت تقصر اختصاص المحاكم على صورة وقوع الحادثة بتونس نقلا إلى المستوى الدولي لقاعدة الفصل 36 فقرة 3 م م م ت التي تجعل من المحكمة المختصة ترابيا تلك التي "ارتكب بدائرتها الفعل الضار". و التوسيع في حماية المتضرر يقوم على اعتبار أن مكان ارتكاب الفعل الضار قد يختلف عن مكان حصول الضرر فعلا – استعمال الانترنت مثلا أو الأضرار البيئية- ، مما يقضي تمكين المتضرر في الصورتين من القيام أمام المحاكم التونسية وهو ما يبدو أكثر انسجاما مع أحكام المسؤولية المدنية التقصيرية التي تنزع أكثر نحو حماية المتضرر أكثر مما تنزع لمجازاة المخطأ مما أدى مثلا إلى القبول بالمسؤولية دون خطأ. و مكان حصول الضرر هو المكان الذي نشأ فيه فعليا الضرر و برز للوجود ماديا و ليس ضروريا أن يكون هو مكان إقامة المتضرر. و يتماشى الحل الذي اعتمدته م ق د خ مع القانون المقارن عموما ، فقد أقر الفقه و فقه القضاء الفرنسي إمكانية رفع دعوى المسؤولية التقصيرية إما أمام محكمة مكان ارتكاب الفعل الضار أو محكمة مكان حصول الضرر أو أيضا محكمة مكان إقامة المدعى عليه ، فيما اقتصرت اتفاقية بروكسال المتعلقة بالاختصاص القضائي داخل دول الاتحاد الأوروبي على إسناد الاختصاص في مادة المسؤولية التقصيرية إلى محاكم الدولة التي ارتكب على إقليمها الفعل الضار إضافة إلى محكمة مكان إقامة المطلوب. و يقر القانون المصري أيضا انعقاد الاختصاص الدولي للمحاكم المصرية في مادة الالتزامات غير العقدية بما فيها المسؤولية التقصيرية إذا وقع الخطأ في مصر أو تحقق الضرر بها . ب‌- نزاعات المسؤولية العقدية: ينص الفصل 5 فقرة 2 م ق د خ على أن المحاكم التونسي تتعهد بالنظر " إذا كانت الدعوى متعلقة بعقد نفذ أو كان واجب التنفيذ بالبلاد التونسية إلا إذا تضمن العقد اتفاقا على اختصاص محكمة أجنبية ". و قد كانت الفقرة الرابعة من الفصل 2 م م م ت تبني اختصاص المحاكم التونسية على أساس إبرام العقد أو تنفيذه بتونس مما يعنى أن مجلة القانون الدولي الخاص قلصت من مجال اختصاص القاضي التونسي في هذا الصنف من النزاعات من خلال إلغاء صورة التعهد المؤسس على إبرام العقد بالبلاد التونسية ، و هذا الإلغاء تكريس للنظرية الموضوعية للالتزام العقدي لأنه لا يعتد إلا بالارتباط الجدي أما الارتباط الذي قد يكون عرضيا معبرا عن الصدفة أو عن محض اعتبارات شخصية و لا يعبر عن قوة الترابط بين النزاع و النظام القانوني التونسي– مثل مكان إبرام العقد- فلا تأثير له على الاختصاص. و لا تأثير لبطلان العقد واجب التنفيذ بتونس على الاختصاص لأن القاضي لا يمكنه التصريح ببطلان العقد من عدمه إلا متى صرح قبل ذلك باختصاصه للنظر في الدعوى. و الملاحظ أن تنفيذ العقد بتونس هو شرط كاف لجلب الاختصاص للنظام القضائي التونسي إلا أنه ليس وجوبيا إذ قد ينعقد الاختصاص بمجرد اتفاق الأطراف على أن التنفيذ سيكون بتونس و حتى و إن لم يباشر الأطراف التنفيذ بتونس يبقى الاختصاص منعقدا للقضاء التونسي. و إذا كان تحديد مكان التنفيذ لا يطرح إشكالا في العقود التي تتضمن التزاما واحدا كالبيع، فإن صعوبة تظهر في حالة العقود التي تتضمن التزامات متعددة محمولة على أطراف العقد و التي تكون واجبة التنفيذ في عديد الدول، فكيف يحدد مكان تنفيذ العقد؟ طرح الفقه طريقتين للإجابة عن هذا السؤال : • الطريقة الأولى : يشترط الفقه وجود رابط جدي بين العقد و تونس تجنبا للاختصاص المصطنع للمحاكم التونسية بأن تكون تونس هي مكان التنفيذ للالتزام الأساسي بالعقد . إلا أنه قد تظهر صعوبة في تلاءم هذا المعيار مع نظرية الاختصاص الدولي للمحاكم الذي يطرح مسألة أولية تتعلق بالتكييف و التي تطرح بدورها مسألة تحديد القانون المنطبق لحلها بما يوصلنا إلى مستوى تنازع القوانين و الحال أن المراد هو تحديد اختصاص المحكمة؟ • الطريقة الثانية : و يرى هذا الشق من الفقه أنه من المفيد إقرار اختصاص المحاكم التونسية للنظر في الدعوى المثارة في خصوص الجزء من العقد الواجب التنفيذ بالبلاد التونسية وهو حل سبق لمحكمة العدل للاتحاد الأوروبي أن أقرته و مقتضاه أنه بالنسبة لعقد البيع مثلا ، يكون القاضي التونسي مختصا بالنظر في الدعوى المثارة من قبل المشتري إذا تم تعيين مكان تسليم المبيع في تونس و بالنسبة للدعوى المثارة من قبل البائع فإنه يثبت اختصاصه إذا تم تعيين مكان تسديد الثمن بالبلاد التونسية. و يشير الفقه إلى سلبيات هذا الحل و ذلك لتشابك الالتزامات في العقد و ارتباطها خاصة إذا كان من نوع العقود الملزمة للجانبين و كان كل التزام من طرف واحد واجب التنفيذ في بلاد مختلفة فتؤول المسألة إلى تعدد الاختصاص في عقد واحد و الذي – على فرض تحققه عمليا- سيؤدي إلى حلول مختلفة و أحيانا متناقضة وهو ما يؤول في النهاية إلى تشتت مصالح الأطراف .

بعض الصور المنظورة من فقه القضاء التونسي:

نظر فقه القضاء التونسي في الاختصاص المتعلق بالمادة العقدية طبقا للفصل 5 فقرة 2 م ق د خ و كانت قراراته تبحث عادة عن رابط جدي بين النزاع و بين النظام القانوني التونسي لقبول الاختصاص و لو لم يتعلق الأمر بالالتزام الأساسي في العقد ، و من هذه الحالات : 1- الحكم الابتدائي عــــ15255ـــدد بتاريخ 29 جوان 2000 ابتدائية تونس: و تتمثل الوقائع في نزاع بين شركة تونسية و شركة فرنسية ناتج عن عقد مبرم بفرنسا التزمت بمقتضاه الشركة الفرنسية بأن تبيع للشركة التونسية آلة صب مركزي و أن تحيل لها حسن الدراية و الخبرة و أن تكون لها الإطارات التي ستشرف على الإنتاج أي أن هناك جملة من الالتزامات المتشابكة التي نفذ جزء منها بفرنسا و كان الآخر واجب التنفيذ بتونس. و استنادا إلى الاتفاق على تنفيذ جزء من الالتزامات بتونس قبلت المحكمة إقرار اختصاصها رغم أن الالتزام الذي نفذ بتونس لم يكن الالتزام الرئيسي في العقد موضع النزاع و من حيثيات المحكمة "... و حيث أنه متى كانت هذه الالتزامات التعاقدية واجبة التنفيذ و نفذت بتونس فإن المحاكم التونسية تكون مختصة بالنظر في الدعوى عملا بالفصل 5 فقرة 2 من م ق د خ و لا يمكن في هذا الإطار قبول ما ذهبت إليه المدعية من تأسيس الاختصاص على قواعد المعاملة بالمثل التي حذفت مع نسخ الفصل 2 م م م ت و على جنسية المدعية التي لم تكن أبدا محددا لاختصاص المحاكم التونسية...". 2- الحكم الابتدائي عدد 9901 بتاريخ 13-10-1999 ابتدائية تونس. موضوع هذه القضية منازعة حول الالتزام بضمان المبيع تم فيها الدفع بعدم الاختصاص و كان رأي المحكمة أن دعوى ضمان المبيع تدخل تحت طائلة الدعاوى العقدية الخاضعة لأحكام الفصل 5 فقرة 2 م ق د خ نظرا لمباشرة التنفيذ بالبلاد التونسية. و قد ورد في حيثيات المحكمة أن ".. المشرع التونسي لم يقبل بمقياس صوري أو ذاتي و إنما اعتمد مقياس مرجع نظر موضوعي و حقيقي و لا يمكن استثناء واقعة التنفيذ الفعلي للعقد إلا بالتنصيص ضم الاتفاق على اختصاص محكمة أجنبية ... و حيث .. يحق للمحاكم التونسية النظر في الدعاوى المتعلقة بتنفيذ عقد بالبلاد التونسية... و حيث يتعين و الحالة تلك رفض الدفع بعدم الاختصاص المثار من قبل المدعى عليها". 3- الحكم الابتدائي عدد 9256 بتاريخ 21 جانفي 2000 ابتدائية تونس. و كان موضوع الدعوى إبطال جملة من العقود التي أبرمها مورث المدعين قبل وفاته ، فرفضت المحكمة الاختصاص و عللت ذلك بقولها أن "... العقود المراد إبطالها لم تتضمن شرط تعيين المحاكم التونسية بالنظر في النزاعات المتعلقة بها فضلا عن كون هذه العقود أبرمت في ايطاليا و متعلقة بمنقولات و عقارات موجودة خارج البلاد التونسية فضلا عن أن تنفيذها تم خارج البلاد التونسية..." ت‌- النزاعات المتعلقة بالمنقولات : تمنح الفقرة الثالثة من الفصل 5 م ق د خ الاختصاص للمحاكم التونسية " في النزاعات التي يكون موضوعها حقا منقولا موجودا بالبلاد التونسية". و قد كان الفصل 2 فقرة 3 م م م ت يسند الاختصاص للمحاكم التونسية في صورة إقامة المدعى عليه بالخارج إذا وجد المال موضوع النزاع بتونس سواء كان عقارا أو منقولا. و بذلك يكون أحد وجوه التجديد الذي جاءت به المجلة فصل قواعد الاختصاص المتعلقة بالعقارات عنها إذا تعلقت بالمنقولات و جعل الأولى ضمن حالات الاختصاص الحصري الواردة بالفصل 8 في حين بقي الاختصاص في حالة المنقولات من قبيل الاختصاص العادي أي الممكن لا غير. و تعد القاعدة الواردة بالفقرة 3 من الفصل 5 م ق د خ امتدادا على المستوى الدولي للقاعدة المكرسة على المستوى الداخلي و المضمنة بالفصل 36 فقرة 2 م م م ت و فيها أنه للمدعي رفع دعواه " في صورة الدعوى المتعلقة بمنقول أمام المحكمة التي بدائرتها وجد المنقول المتنازع عليه". و تستدعي هذه الحالة من حالات الاختصاص الدولي تحديد مفهوم المنقول و كذلك ضبط الدعاوى المقصودة بالفصل 5 فقرة 3 م ق د خ. يعرف الفصل 14 م ح ع المنقولات بكونها "...الأجسام التي يمكن انتقالها من مكان لآخر سواء انتقلت بنفسها أو بمفعول قوة أجنبية عنها" و يدمج القانون التونسي ضمن المنقولات " الالتزامات و الحقوق العينية و الدعاوى المتعلقة بالمنقول و الحصص و الأسهم و الرقاع في مختلف الشركات و إن كانت هذه الشركات مالكة لعقارات" . أما عن الدعاوى المقصودة بالفصل 5 فقرة 3 م ق د خ يمكن القول أنها الدعاوى العينية المرتبطة بالمنقول الموجود على التراب التونسي ، و الدعوى العينية هي تلك التي تمارس لحماية حق عيني كحق الملكية أو الانتفاع الذي يمارس على المنقول. و يلاحظ بعض الدارسين أن الاختصاص المقرر بالفصل 5 فقرة 3 قد تكون فيه شبهة الاختصاص المصطنع لأن طبيعة المنقول التي تسمح له بالانتقال من بلاد إلى أخرى تجعل من النزاع المرتبط بتونس زمن رفع الدعوى غير مرتبط بها بمجرد إخراج المنقول منها ، كما تمت الإشارة إلى أن صياغة الفصل 5 فقرة 3 تجعله لا يتلاءم مع المنقولات اللامادية التي لا وجود محسوس لها . و تدعم هذه الانتقادات بكون القانون الفرنسي مثلا يعتمد مقر المطلوب لمعيار للاختصاص الدولي للمحاكم في الدعاوى العينية المنقولة وهو يتعامل معها اعتمادا على نفس المعايير المعمول بها في الدعاوى الشخصية ، و في نفس الاتجاه أقصت اتفاقية بروكسال صراحة في فصلها الثالث إمكانية الاستناد إلى مكان تواجد أموال المطلوب لتأسيس الاختصاص الدولي لتقع العودة إلى الفصل 2 المبني على معيار مقر المطلوب. ث‌- نزاعات الملكية الفكرية : ينص الفصل 5 فقرة أخيرة على أن المحاكم التونسية تنظر في " النزاعات المتعلقة بالملكية الفكرية إذا وقع التمسك بحمايتها بالبلاد التونسية". و تعد هته الصورة من صور الاختصاص جديدة إذ لم تكن بالفصل 2 م م م ت إشارة لصورة الاختصاص الدولي في هذا النوع من النزاعات. و الحل الذي كرسه المشرع في هته الصورة متأثر بالقانون المقارن و خصوصا اتفاقية بارن لحماية المؤلفات الأدبية و الفنية المؤرخة في 9 سبتمبر 1988 و كذلك بالفصل 109 من القانون الفدرالي السويسري للقانون الدولي الخاص. و يشمل مفهوم الملكية الفكرية كلا من الملكية الأدبية و الفنية و الملكية الصناعية، و يقصد بالملكية الأدبية و الفنية حق الاستئثار باستغلال العمل الفني و الأدبي و نتائجه المالية المعترف به للفنان أو المؤلف إضافة إلى حقوقه المعنوية . أما الملكية الصناعية فيقصد بها من جهة الحق في احتكار براءات الاختراع و النماذج و الرسوم الصناعية ، و من جهة أخرى الحق الاستئثاري في استعمال الاسم التجاري أو علامة الصنع أو كل علامة قادرة على تمييز التاجر أو الصناعي ، تشمل خاصة براءات الاختراع وهو سند يسند من دولة التسجيل إلى المخترع مما يمكنه من التمتع بحق استئثاري و مؤقت في استغلال موضوعه مقابل القيام بجملة من الالتزامات و ذلك بعد القيام بجملة من الشكليات الإدارية المرتبطة بالإيداع نفسه . أما علامات الصنع و التجارة فهي الشارات " الظاهرة التي تمكن من تمييز المنتجات التي يعرضها أو الخدمات التي يسديها شخص طبيعي أو معنوي. و يمكن أن تتكون من التسميات بمختلف أشكالها...و الشارات التصويرية ...و الشارات الصوتية..." . أما عن حالات تعهد المحاكم الوطنية في النزاعات الدولية المتعلقة بالملكية الفكرية فيمكن القول أنها، بالرغم من عمومية عبارة الفقرة 4 من الفصل 5 م ق د خ ، لا تشمل إلا الدعاوى الشخصية الخاصة بحماية حقوق المؤلف أو المخترع بما يعني إقصاء نوعين من النزاعات من مجال اختصاص المحاكم الوطنية المؤسس على الفصل 5 فقرة 4 م ق د خ: 1- النزاعات المتعلقة بالتسجيل و بصحة براءات الاختراع و الحقوق الفكرية الخاضعة للإيداع أو التسجيل ، و يرجع هذا الإقصاء إلى تدخل المرافق العامة الإدارية المختصة بالإيداع و التسجيل في هذا المجال بما يضفي على هذه النزاعات صبغة خاصة تجعلها خاضعة للاختصاص القضائي الإقصائي لمحاكم الدولة التي تمت بها تلك العمليات. 2- النزاعات التعاقدية الناشئة عن الحقوق الفكرية ذلك أن أصحاب الاختراعات أو المؤلفين يمكنهم إبرام عقود موضوعها إحالة حقوق الاستعمال و الاستغلال ، و الصبغة التعاقدية لهته النزاعات تجعلها تدخل ضمن حالات الاختصاص الخاصة بالمادة التعاقدية المنصوص عليها سواء بالفصل 5 فقرة 2 أو طبقا لإرادة الأطراف حسب الفصل 4 م ق د خ. و إذا كان اختصاص المحاكم التونسية مؤسس على ارتكاب فعل مخل بحقوق الملكية الفكرية بالبلاد التونسية فإن ذلك لا يعني اشتراط نشأة الحق المطلوب حمايته بالبلاد التونسية كما لا يشترط أن تكون إجراءات التسجيل أو الإيداع قد تمت بالبلاد التونسية لقبول الاختصاص فارتكاب الفعل الماس بحقوق المؤلف على التراب التونسي كاف لوحده لتأسيس اختصاص القاضي التونسي طلبا لحمايته . ج‌- نزاعات التركات : تنص الفقرة 3 من الفصل 6 م ق د خ أن المحاكم التونسية تنظر أيضا " إذا تعلقت الدعوى بتركة افتتحت بالبلاد التونسية أو كانت مرتبطة بانتقال الملكية بموجب الإرث لعقار أو منقول كائن بالبلاد التونسية". و قد كان الفصل 2 من م م م ت ينص في فقرته الخامسة أن المحاكم التونسية تختص بالنزاع إذا كان المطلوب مقيما خارج البلاد التونسية " إذا كانت الدعوى متعلقة بإرث مواطن تونسي أو بتركة افتتحت بتونس". يمكن إذن انطلاق من نص الفصل 6 فقرة 3 القول أن المشرع يعتمد صورتين لإسناد الاختصاص للقاضي التونسي عدما يتعلق الأمر بنزاعات التركات ، صورة افتتاح التركة بتونس و صورة و صورة وجود جزء من التركة – عقار أو منقول – بالبلاد التونسية. 1- صورة افتتاح التركة بتونس: يبقى معيار افتتاح التركة هو المعيار التقليدي المعتمد من أغلب التشريعات المقارنة لمنح الاختصاص لقضاءها الوطني في هذه المادة وهو ما يستوجب تحديد مفهومه و معرفة مجال انطباقه. في خصوص مفهوم افتتاح التركة لم يبين الفصل 6 المقصود بافتتاح التركة مما قد يثير بعض اللبس حوله : هل هو المكان الذي حصلت فيه وفاة المورث أم المكان الذي يوجد به مقره؟ و قد كان لفقه القضاء الدور الرئيس في تحديد هذا المفهوم منذ قرار صادر عن محكمة الاستئناف بتونس في 12 فيفري 1964 تحت عـــ56590ـــدد و فيه تم اعتبار مكان افتتاح التركة هو المكان الذي يوجد به مقر المورث ، و تعليل هذا الموقف يؤسس على اعتبا أن واقعة الوفاة و إن كانت الشرط الجوهري لاستحقاق الإرث فهي من حيث مكان حدوثها لا تحمل أي مدلولات حول الدولة التي لها علاقة بالتركة لأن الوفاة قد تحدث أثناء السفر لمكان لا علاقة له بمكونات التركة و لا بمقر الورثة أو المورث . بالمقابل فإن مقر المورث يتمتع بقرينة قوية على وجود علاقة جدية بين التركة و محاكم الدولة التي توجد فيها مكوناتها إذ المفترض أن المكان الذي به المورث هو المكان الذي تتركز به أملاكه و نشاطاته و نفس الأمر ينطبق على ورثته وهو ما يضمن في النهاية حسن سير مرفق العدالة من خلال توفير ظروف واقعية تسهل البت في النزاع بطريقة مثلى. أما في خصوص مجال انطباق هذا المعيار فالسؤال الذي يطرح هو : هل أن توفر افتتاح التركة بالبلاد التونسية يعني أن الاختصاص يشمل بالتبعية جميع عناصر التركة حتى تلك الموجودة بالخارج؟ عقارات كانت أم منقولات؟ رغم سكوت النص و عدم اقتصاره الصريح على عناصر التركة الموجودة بتونس فإنه لا يمكن قبول شمولية الاختصاص لجميع مكونات التركة ذلك أن العقارات الموجودة بالخارج تخرج عن اختصاص محكمة التعقيب سواء انطلاقا من النصوص نفسها أو من موقف فقه القضاء في المسألة و مبررات لهذا الموقف تقليدية و متداولة . 2- صورة وجود عناصر من التركة بتونس: تتعلق هذه الصورة منطقيا بالحالة التي كون فيها التركة قد افتتحت بالخارج ، أي أن مقر المورث لا يوجد بتونس لكنه ترك بها أملاكا. و تطرح هته الصورة إشكالية تجزئة التركة إلى أجزاء منفصلة وهي ما يعقد القسم مثلا لأنه سيحرم الورثة من يستأثر كل منهم بجز معين من التركة لو تم النظر في قسمة التركة بشكل شمولي إلا أن هذه السلبيات لا تؤثر على الحل المتفق عليه و المتعلق باختصاص إقصائي معتمد من كل القانون المقارن تقريبا. تبقى مسألة أخير تستحق التوضيح وهي طبيعة الدعاوى المشمولة بهته الحالة من حالات الاختصاص الدولي ، و هنا تمكن الإشارة إلى أنه تندرج ضمن الدعاوى المتعلقة بالتركة الدعاوى التي تهدف إلى تحديد المستحقين كالدعاوى المراد منها إثبات أو نفي صفة الوارث و دعاوى إدارة التركات مثل تسمية مؤتمن عدلي لإدارة التركة و كذلك دعاوى قسمة التركات و تصفيتها . و تطرح طبيعة بعض العقود إشكالا حول معرفة أن كانت الدعاوى المتعلقة بها هي من الدعاوى المتعلقة بالتركة علة معنى الفصل 6 فقرة 3 أم لا ؟ مثل الدعاوى المرتبطة بعقود الوصية و الهبة و العقود المبرمة في مرض الموت . إضافة إلى الحالات السابقة و التي يكون فيها الاختصاص انطلاقا من وجود رابط موضوعي بين النزاع النظام القانوني التونسي أي اعتمادا على معيار القرب ، اعتمد المشرع معيارا آخر غير موضوعي هذه المرة يجد مبرراته في السعي لحماية الطرف الذي يعتبره ضعيفا و يكون معياره إقامة المدعي. 2- الاختصاص المؤسس على السعي لحماية الطرف الضعيف:معيار إقامة المدعي بتونس. لم تكن إقامة المدعي بتونس كضابط للاختصاص معتمدة قبل صدور مجلة القانون الدولي الخاص ، و لهذا النوع المستحدث من معايير الاختصاص صورتين أوردهما المشرع بالفصل السادس من م ق د خ وهي دعاوى البنوة و حماية القصر –أ- و دعاوى النفقة – ب-. أ‌- دعاوى البنوة و حماية القصر: قرر المشرع بالفقرة الأولى من الفصل 6 أن القضاء التونسي يتعهد بالنظر في " الدعاوى المتعلقة بالبنوة أو بإجراء لحماية قاصر يكون موجودا بالبلاد التونسية". و تشمل دعاوى البنوة القضايا المتعلقة بالنسب مهما كانت طبيعته، سواء كان شرعيا أو طبيعيا أو بالتبني. فيما تشمل دعاوى حماية القاصر الدعاوى التي توجه إلى قاضي الأسرة التونسي ليتخذ الوسائل الكفيلة بحماية القاصر الفاقد للسند العائلي أو المعرض لسوء معاملة ، وهي إجراءات وقتية لحين البت بصفة أصلية في وضعية لطفل. كما تشمل أيضا الدعاوى الأصلية مثل مسائل الحضانة و حق الزيارة. و يستند الاختصاص في مادة البنوة على أساس إقامة المدعي بتونس رغم عدم إشارة المشرع لذلك بشكل صريح ، و تجد هذه القاعدة بعدها الحقيقي عندما يكون الطفل هو المدعي أما عندما يكون مطلوبا فيمكن تأسيس الاختصاص على القاعدة العامة المرتكزة على مقر المطلوب. و لا يشترط المشرع لمنح الاختصاص توفر المقر بل تكفي الإقامة التي لم يشترط أيضا أن تكون شرعيا ، بل أن المشرع استعمل لفظة "موجودا" وهي تبدو مجرد التواجد المادي و لو كان عرضيا. و واضح أن الهدف من هذه الحالة من حالات الاختصاص هو تمكين الطفل من إثبات نسبه بأيسر السبل ، وهو ما يتأكد عند النظر إلى قاعدة التنازع الواردة بالفصل 52 م ق د خ حيث يطبق القاضي القانون الأفضل لإثبات بنوة الطفل من بين القانون الشخصي للمطلوب أو قانون مقره و القانون الشخصي للطفل أو قانون مقره ، و تخضع المنازعة في البنوة للقانون الذي نشأت بمقتضاه"، و واضح أن هذا النص ييسر إثبات البنوة و يتشدد في نفيها وهي الروح التي يسعى المشرع إلى تكريسها فيما يتعلق أيضا بقواعد الاختصاص. و نفس الروح التي تحكم المشرع في مادة البنوة تحكمه أيضا في مادة إجراءات حماية القاصر التي تطورت فيها التشريعات المقارنة في اتجاه تراجع معيار الجنسية و نشأة اعتبارات تتعلق بانتماء عديد الأحكام في قانون الطفولة إلى ميدان القانون العام و لذلك يرى بعض الفقه أنه يمكن تأسيس الاختصاص القضائي الدولي على وجود القوانين ذات التطبيق المباشر في مادة حماية الطفل القاصر وهو ما يؤدي إلى إخضاع الاختصاص القضائي إلى الاختصاص التشريعي فتكون السلطات المختصة بحماية القاصر هي سلطات الدولة التي يكون قانونها منطبقا على أصل النزاع . ب‌- دعاوى النفقة : تنص الفقرة 2 من الفصل 6 م ق د خ على اختصاص المحاكم التونسية بالنظر في صورة "في دعاوى النفقة إذا كان الدائن مقيما بالبلاد التونسية". و تجد هذه القاعدة سندها في نفس الاعتبارات الحمائية التي سبق أن بررت الاختصاص في دعاوى النسب أو حماية القاصر وهو السعي للتيسير على الطرف الضعيف وهو هنا من هو في حاجة للنفقة التي هي ذات صبغة معاشية مستعجلة مما يقتضي إعفاءه من كل العوائق الإجرائية و منحه الخيار في رفع دعواه إما في مقر إقامته أو في مقر إقامة المطلوب مثلما هو الحال أيضا على مستوى القانون الداخلي. كما يجد هذا الخيار سنده أيضا في حسن سير مرفق القضاء لأن محاكم مقر إقامة الدائن بالنفقة هي الأقدر على معرفة احتياجاته طبقا لمستوى العيش المعتاد . و يمارس مستحق النفقة ، و قد يكون قاصرا كالصغير أو المحجور عليه أو راشدا كالزوجة أو الوالدين ، دعواه أمام المحكمة التي يحددها حسب مصلحته سواء بتقليص التكاليف أو بحثا عن النظام القانوني الذي ييسر عليه استحقاق النفقة.

بعرضنا لمعيار إقامة الدائن نكون قد استعرضنا المعايير التي اعتمدها المشرع التونسي ضمن مجلة القانون الدولي الخاص لإقرار الاختصاص الممكن للمحاكم التونسية في مادة القانون الدولي الخاص. إلا أن تعامل فقه القضاء التونسي مع مسألة اختصاصه الدولي ، بالرغم من التقنين المدقق لمادة الاختصاص الدولي للمحاكم التونسية ضمن مجلة القانون الدولي الخاص ، أفرز على مستوى الواقع اعتماد معايير أخرى لم يقرها المشرع وهو ما أثار جدلا متناميا على مستوى الفقه بين رافض و مؤيد و محترز لهذا الحضور الاستثنائي لفقه القضاء في مسألة هي في الأصل منوطة بالمشرع وحده. و لعل هذا ما يبرر إفراد جزء كامل من هذه المحاضرة لما يمكن تسميته بالمعايير الفقه قضائية للاختصاص الممكن في مادة القانون الدولي الخاص.

الجزء الثاني : المعايير الفقه قضائية للاختصاص الممكن في مادة القانون الدولي الخاص. ورطة منى : منى فتاة جميلة و أنيقة وهي طالبة بالمرحلة الثالثة بإحدى الشعب العلمية ، عائلتها متواضعة و محافظة و اقرب إلى التدين الغير ممنوع من مراقبي العقائد ، تتبنى الرأي القائل بأن الزواج في سن مبكرة " نسبيا" يمثل ضمانة للشبان عامة و للفتيات خاصة و من هذا المنطلق لم تمانع العائلة عندما تقدم منير لخطبة منى خصوصا و أنه أصيل نفس الجهة التي تنحدر منها منى و أن حالته المادية ميسورة بما انه عامل مستقر بالنرويج. إلا أن ما أثار النقاش داخل العائلة هو أن السيد منير على عجلة من أمره فهو يريد أن لا تتجاوز فترة الخطبة و الزواج الشهر الواحد ليجد فترة يخلو فيها إلى عروسه قبل العودة إلى النرويج حيث يعمل في انتظار أن يقوم بترتيب الإجراءات الضرورية لالتحاقها به. و بعد جدل لم يدم طويلا استقر رأي الأسرة أن يوافقوا على طلبات منير و أن تكون فترة التعارف مختصرة و دعوا الله أن يكون الزواج مباركا. و كان الأمر كذلك و بعد الحفلة و الحلويات انفض الجميع و أرخيت الستائر لتكتشف منى أن زوجها يطلب منها أن تمارس معه العلاقة الحميمة بطريقة استقر في علمها أنها محرمة ، فرفضت فأصر منير و عايرها بتخلفها فأصرت على الرفض . و بعد أيام لم تجد منى بدا من أن تعود إلى منزل والديها لتخبرهم بما كان من أمرها ، و استقر رأي عائلتها على أن لا حل سوى الطلاق . و عند مفاتحتها لزوجها في الأمر أرغى و أزبد و أسمعها ما جادت به قريحته من الشتائم قديمها و حديثها ، باللغتين العربية و النرويجية ، و أضاف بأنه لن يوافق أبدا على الطلاق و سيغادر غدا إلى النرويج و سيتركها على حالها ذاك مضيفا بأنه يعلم – من مستشاره القانوني - أنها لا تستطيع الحصول على الطلاق في تونس إلا بموافقته و إذا أرادت تجاوزه فما عليها إلا رفع دعوى الطلاق أمام المحاكم النرويجية و أردف قوله ذاك بضحكة ساخرة و مضى. أحست منى بالرعب من حديث زوجها و استشارت صديقة لها من دارسي الحقوق متزوجة من قاض فأكدت لها – بعد الاستشارة – صحة ما بلغ إلى مسامعها. و بسؤال أقاربها عن محام جهبذ لم يجد الزمان بمثله يستطيع إخراجها من ورطتها و يعيد لها حريتها التي فقدتها بتسرعها في الزواج من شخص لم تتعرف إليه مدة كافية ، أرشدها عمها إلى صديق قديم له مؤكدا على كفاءته ، فلم تترد و جمعت قليلا من المال لدفعه كتسبقة و زارتني في مكتبي و شرحت لي وضعيتها فأخبرتها أنه و إن كان نص القانون قد لا يمكنها من التقاضي أمام المحاكم التونسية فإن الحل محتمل و وعدتها خيرا و قمت في الحال – بعد اخذ التسبقة طبعا- برفع قضية طلاق برغبة خاصة أمام المحاكم التونسية و استدعينا الزوج في عنوان بالنرويج تركه للمنوبة و اتضح أنه غير صحيح و مرت الجلسة الصلحية الأولى و لم يحضر الزوج و لا من ينوبه . و اقتربت الجلسة الحكمية و أنا أتسائل : كيف يمكن الوصول إلى حكم بطلاق منى من زوجها و نصوص مجلة القانون الدولي الخاص لا تقرر أي معيار – لا عام و لا خاص - يجعل من المحاكم التونسية مختصة ؟ عدت إلى فقه قضاء المحاكم التونسية في الحالات المشابهة فوجدت مواقف مختلفة متباينة : • فمن مصر على تطبيق مجلة القانون الدولي الخاص بحذافيرها ليعلن عدم الاختصاص في صورة الحال بغض النظر عن آلام منى أو أمثالها. • إلى متعاطف مع القائمين بهذا النوع من الدعوى و مقر لاختصاصه عملا بكون المدعي تونسي و أن القاضي التونسي هو القاضي الطبيعي للتونسيين. • إلى متجاهل للطابع الدولي للنزاع جملة و تفصيلا و مطبق لمجلة المرافعات المدنية و التجارية ليصل إلى قبول الدعوى دون إثارة أي إشكال. • إلى مقر بوجود مشكل قانوني و ساع في حله بالاجتهاد من خلال دراسة الحالات الشبيهة بحالة منى و استنتاج أن ظرف المدعية تجعلها في استحالة مادية و قانونية تمنعها من رفع الدعوى في البلاد البعيدة و ربطا للأمر بحق التقاضي الذي هو حق دستوري بحيث يصبح قبول الاختصاص من قبيل الضرورة القانونية و إلا وقعنا في صورة من صور إنكار العدالة. و مساهمة في إنقاذ منى و من كان في مثل حالها و تعميما للفائدة ، رأيت من الضروري أن أتوسع قليلا في دراسة المواقف السابقة الذكر لمعرفة الإضافة التي جاء بها فقه القضاء التونسي في مادة هامة و لصيقة بحقوق الإنسان الذاتية ، و ذلك بعد حصر و تحديد طبيعة الإشكال القانوني المطروح. تحديد طبيعة الإشكال القانوني. أولا لابد من ملاحظة أن الإشكاليات التي أثيرت سواء على مستوى فقه القضاء أو على مستوى الفقه تعلقت اغلبها إن لم نقل كلها بالنزاعات العائلية وهي نزاعات نظمها المشرع في خصوص تحديد القانون المنطبق بباب خاص هو الباب الثالث من م ق د خ – من الفصل 45 إلى الفصل 53- في حين لم ير مبررا لسن قواعد اختصاص خاصة بها و جعلها خاضعة للقواعد العامة باستثناء دعاوى النفقة و البنوة التي أفردت بنظام خاص سبق التعرض له في الجزء الأول من هذه المحاضرة. و بهذا الاختيار خالف المشرع التونسي اغلب القوانين المقارنة التي احتوت قواعد تفصيلية و دقيقة لمختلف أنواع النزاعات العائلية مثل القانون السويسري حول القانون الدولي الخاص المؤرخ في 18-12-1987 و القانون الايطالي المؤرخ في 31-05-1995 و مجلة الإجراءات المدنية الألمانية و التنظيم الصادر عن مجلس الاتحاد الأوروبي في 27 نوفمبر 2003 و المنظم للاختصاص الدولي و للاعتراف بالأحكام في المادة الشخصية و مجلة الإجراءات المدنية لفيدرالية روسيا . من ناحية أخرى و بالعودة للفصل الثالث من م ق د خ نجده يتضمن اختصاص المحاكم التونسية بالنظر في النزاعات بين جميع الأشخاص " مهما كانت جنسيتهم" عند إقامة المطلوب بتونس. و هذه الإشارة المتعلقة بمعيار الجنسية ليست اعتباطية و يرى الفقه أنها تحمل معنيين يتحدان في تحييد معيار الجنسية عن كل تأثير في الاختصاص الدولي للمحاكم التونسية : • المعنى الأول يحمل التأكيد على أن الجنسية لا يمكن أن تكون قيدا أو مانعا لاختصاص المحاكم التونسية أي أن الجنسية الأجنبية لأطراف النزاع ليست موجبا لعدم الاختصاص طالما كان المطلوب مقيما بالبلاد التونسية ، و يطرح بعض الدارسين تساؤلا عن وجود معنى رمزي لهذا الأمر في علاقة بزمن ما قبل الاستقلال عندما كانت المحاكم التونسية لا تختص بالنزاعات التي يكون لأحد أطرافها أجنبيا و التي تكون من اختصاص المحاكم الفرنسية ، لكننا نتساءل معه عن جدوى مواصلة التأكيد على اختصاص المحاكم التونسية مهما كانت جنسية الأطراف ، لقد خرج الاستعمار منذ أكثر من خمسين عاما ، أليس كذلك؟ • المعنى الثاني أن الجنسية لا يمكن أن تكون سندا للاختصاص ، و بذلك تم التخلي الواضح المؤكد على ما سبق للفقه أن نعته بامتياز الجنسية و الذي كان مؤسسا على الفصل 2 م م م ت الذي يسمح باختصاص المحاكم التونسية إذا كان لمطلوب تونسيا. يمكننا إذن أن نستنتج أن المجال الحقيقي للإشكال المطروح أمام فقه القضاء يتعلق بالنزاعات العائلية و خصوصا الطلاق ، و أن مركزه مرتبط بإقصاء معيار الجنسية من ضمن المعايير المعتمدة لتأسيس اختصاص المحاكم التونسية في هذه المادة على الأقل. و المؤكد ، لنا على الأقل ، أن في هذا الإقصاء الكثير من الشطط غير المبرر : • فالجنسية هي ضابط الاختصاص الذي يمتاز عن البقية في أنه خاص بمادة القانون الدولي الخاص و ليس مأخوذا من قواعد الاختصاص المكرسة على المستوى الداخلي كالمقر و مكان وقوع الفعل المنشئ للمسؤولية أو مكان موجود المال ... • و في مادة النزاعات العائلية بالخصوص ، تمثل الجنسية و المقر المعيارين الأساسيين المعتمدين لإضفاء الطابع الدولي على النزاع و هما أيضا المعتمدان لتحديد القانون المنطبق فما هو مبرر استبعادها كمعيار مسند للاختصاص؟ خصوصا و أن للمسائل الشخصية ارتباط وثيق بجنسية الأطراف. • إن قبول الاختصاص من المحاكم الوطنية للأطراف في قضايا الطلاق مثلا هو الحل المعتمد لدى غالبية القوانين المقارنة ، فالقانون الفرنسي في الفصلين 14 و 15 من المجلة المدنية يقر اختصاص القضاء الفرنسي إذا كان أحد طرفي الزواج فرنسي الجنسية و القانون السويسري يمكن من له الجنسية السويسرية من رفع دعوى الطلاق أمام محاكم بلده و نفس الأمر يقال بالنسبة للقانون الألماني و الإيطالي و الروسي ، فما خصوصية القانون التونسي في هذه المادة ليختار حلا شاذا غير مبرر و ضار بمواطنيه؟ بل هو يوجد اختلالا لصالح الأجنبي فلو افترضنا أن امرأة تونسية متزوجة من فرنسي و كانت إقامتها بتونس فيما أقام هو بفرنسا لترتب عن هذا الوضع أن زوجها الفرنسي يمكنه مقاضاتها أمام المحاكم الفرنسية فيما لا يمكنها هي أن تقاضيه أما المحاكم التونسية وهي التونسية؟ و الأغرب في هذا الأمر أن المشرع في الفصل 2 م م م ت كان متفطنا لهذه المسألة بأن أورد الفقرة السابعة من الفصل المذكور و فيها أن المحاكم التونسية تكون مختصة "في جميع الأحوال التي يختص فيها قضاء بلاد ذلك الأجنبي بالنظر في القضايا المرفوعة على التونسيين و ذلك على سبيل المعاملة بالمثل" فيما ضربت مجلة القانون الدولي الخاص صفحا عن هاته الحالة . • أنه من الناحية الكمية فإنه و نظرا لكثرة التونسيين المقيمين بالخارج فإن عدد النزاعات دولية الطابع التي يرفعها التونسيون أمام المحاكم التونسية كبير وهو يستلزم نظر القضاء التونسي فيها لا التخلي عنها بإعلان عدم الاختصاص. • أن هذا الشطط هو السبب الرئيسي وراء تضارب أحكام فقه القضاء الذي اتجه اتجاهات متباينة لحل النزاعات العائلية و خصوصا الطلاق. و حيث يتجه انطلاقا من الإشكال السابق الذكر، و المتمثل في التساؤل عن دور الجنسية في إسناد الاختصاص للمحاكم التونسية من خلال قرارات فقه القضاء ؟ التطرق إلى صورتين تتمثل أولاهما في الموقف الذي يفرض الجنسية كمعيار للاختصاص بتجاهل مجلة القانون الدولي الخاص –فرع أول- أما الموقف الثاني فهو الموقف الباحث من خلال الاجتهاد عن حل لا يناقض القانون و لا يضر بالمتقاضين التونسيين –فرع ثاني-. الفرع الأول : الموقف المتجاهل لأحكام م ق د خ و المعتمد على الجنسية لإسناد الاختصاص. مع دخول مجلة القانون الدولي الخاص حيز النفاذ كان الأقرب للتوقع أن يتم التخلي عما كان يسمى " امتياز الجنسية" لأن المجلة لم تعترف بالجنسية كسند للاختصاص سواء كانت للمدعي أو المدعى عليه أو كليهما. إلا أن تيارا ظهر في فقه القضاء يرى دارسون أنه غالب سار عكس موقف المشرع من خلال الاكتفاء بالجنسية كسند للاختصاص سواء بشكل ضمني أو بشكل صريح. 1- اعتماد الجنسية كسند للاختصاص بشكل ضمني: يكون اعتماد الجنسية في هته الحالة من خلال التعامل مع النزاع كأنه نزاع داخلي صرف و التغاضي عن وجود عنصر خارجي يكسب النزاع وصف النزاع الدولي ، و في الغالب تكتفي المحكمة بالتثبت من صحة استدعاء المطلوب كما يجب قانونا للتصريح باختصاصها الذي يكون ضمنيا أيضا من خلال التطرق لأصل النزاع مباشرة . و يطرح تجاهل المحكمة للطابع الدولي للنزاع إشكالات قانونية مرتبطة بالإجابة عن سؤالين : السؤال الأول متعلق بمعرفة هل أن الطابع الدولي للنزاع طبقا للتعريف الوارد بالفصل 2 من مجلة القانون الدولي الخاص واجب على المحكمة إثارته من تلقاء نفسها أم لا ؟ خصوصا و أن إثارته تؤدي إلى تطبيق قواعد المجلة فيما يتعلق بتحديد القضاء المختص و تحديد القانون المنطبق في حين يؤدي تجاهله إلى حل النزاع كأنه نزاع داخلي صرف أي دون الالتفات لطبيعته الدولية. طرح هذا السؤال على فقه القضاء التونسي و كانت الإجابة في قرارات تعقيبية مهمة أن إثارة الطابع الدولي للنزاع هو مسألة أولية على المحكمة أن تثيرها من تلقاء نفسها أي أنها بالتالي متعلقة بالنظام العام. يوجد موقف ينطلق من النقاش الدائر حول الفصل 12 م م م ت و فيه أنه " ليس على المحكمة تكوين أو إتمام أو إحضار حجج الخصوم " ومن اعتبار العناصر التي تكسب النزاع صبغته الدولية مثل الجنسية أو المقر أو مكان المال مجرد وقائع ، ليستنتج أن للقاضي خياران فيما يتعلق بإثارة الطابع الدولي للنزاع : • أما أن يمتنع عن إثارة العناصر التي تكسب النزاع الصبغة الدولية إذا لم يثرها الأطراف ، و في ذلك ترك كامل للقانون الدولي الخاص تحت مشيئة الأطراف. • إما أنه بإمكانه إثارة تلك العناصر ليصل إلى تطبيق أحكام مجلة القانون الدولي الخاص. و قد تبنت قرارات قضائية هذا الاتجاه مثل بعض الأحكام الابتدائية الصادرة عن محكمة تونس . لكن السؤال يبقى هو نفسه : هل يجب على القاضي إثارة الطابع الدولي للنزاع أم أن الإثارة مسألة اختيارية لا أكثر؟. عرف الأمر جدلا في الفقه الفرنسي فنجد الفقية بيار مايار Pierre Mayer يدافع عن وجوبية الإثارة بالقول أن الوقائع المؤدية إلى الطابع الدولي للنزاع ليست كالوقائع الأخرى لأنه بوجودها يقع المرور عبر قواعد التنازع لتعيين القانون المنطبق الذي قد يكون قانونا أجنبيا و لذلك فهذه الوقائع لا تؤثر إلا على تحديد القانون المنطبق و لا تأثير لها على موضوع النزاع و من ثم فإثارة القاضي للطابع الدولي للنزاع لا يمس من حياد القاضي. في المقابل يرى الفقيه ايف لوكات Yves Lequette أن الوقائع المؤدية إلى الصبغة الدولية للنزاع هي وقائع كبقية الوقائع و ليست لها أي خصوصية تسمح بإفرادها بواجب إثارتها من طرف القاضي ، إلا أنه من جهة أخرى يؤسس واجب الإثارة على أساس أن قاعدة التنازع ثنائية و بالتالي فهي ترتكز على مبدأ المساواة بين القانون الوطني و القانون الأجنبي و هذه المساواة هي التي تفرض حسب رأيه وجوبية إثارة الطابع الدولي للنزاع و إلا لأدى ذلك إلى تمييز قانون القاضي الذي سيطبق بصفة آلية على النزاع بمجرد عدم إثارة الطابع الدولي للنزاع . قد يضاف لهذا المبرر تبرير آخر هو التذكير بإلزامية قاعدة التنازع بالنسبة للقاضي و أن هذه الإلزامية لن تكون لها فعالية إذا كانت إثارة الطابع الدولي للنزاع متروكة لخيار القاضي. على كل يبدو هذا الموقف هو الموقف المتلائم مع روح القانون ذلك أن إصدار المشرع لمجلة تنظم القانون الدولي الخاص يستلزم تطبيق أحكام هذه المجلة كلما كان النزاع دولي الطابع ، و إلا كان تطبيق أحكام المجلة اختياريا وهو ما يتعارض مع مبررات إصدار القانون نفسه ، هذا إضافة إلى أن الخطأ في تطبيق القانون هو صورة من صور الطعن بالتعقيب أي أن تطبيق قاعدة على حساب تلك المنطبقة فعلا يبرر النقض أمام محكمة التعقيب. و ما يهمنا في علاقة بموضوع هذه المحاضرة أن التقنية القانونية المعتمدة من فقه القضاء في أحكام عديدة ، المتمثلة في تجاهل الطابع الدولي للنزاع و معاملته معاملة النزاع الداخلي مما يؤدي إلى عدم طرح إشكالية الاختصاص ، تمثل أسلوبا مخالفا للقانون حتى و إن مكنت من تجاوز المأزق الذي تضعنا فيه مجلة القانون الدولي الخاص فيما يتعلق بالاختصاص. أما السؤال الثاني فيتعلق بطبيعة قواعد الاختصاص في مادة القانون الدولي الخاص ؟ و ذلك طبعا بافتراض إثارة الطابع الدولي للنزاع ، و بشكل أكثر تفصيلا يكون السؤال : هل قواعد الاختصاص الدولي هي قواعد اختصاص حكمي أم قواعد اختصاص ترابي؟ أم أن لها طبيعة أخرى؟ و لهذا السؤال أهمية خاصة ذلك أنه إذا اعتبرنا قواعد الاختصاص الدولي من قبيل الاختصاص الترابي فإنها تصبح غير متعلقة بالنظام العام و مرتبطة فقط بمصلحة الأطراف و بالتالي ليس للمحكمة أن تثيرها من تلقاء نفسها ، أما إذا اعتبرناها من قبيل الاختصاص الحكمي فتصبح متعلقة بالنظام العام و على المحكمة أن تثيرها من تلقاء نفسها حتى لو لم يثرها الأطراف كما أنه يمكن إثارتها لأول مرة لدى محكمة التعقيب. تتعدد المواقف عند الإجابة عن هذا السؤال : • يرى جزء من الفقه و فقه القضاء أن الاختصاص الدولي هو اختصاص حكمي و الحجة الرئيسية لتدعيم هذا الموقف أن السؤال حول تحديد النظام القضائي المختص شبيه إلى حد كبير بالسؤال حول تحديد القاضي المختص ضمن نفس النظام القضائي ، و يذهب آخرون إلى القول أن قواعد الاختصاص الدولي تقوم بعملية توزيع الاختصاص بين أنظمة قضائية متنازعة وهو عين ما تقوم به قواعد الاختصاص الداخلي. و قد انحاز فقه القضاء التونسي السابق لصدور م ق د خ إلى هذا الموقف من خلال عديد القرارات التي كانت ترى في قواعد الاختصاص الدولي مسألة متعلقة بالنظام العام . • في المقابل يرى جزء آخر من الفقه المؤيد بفقه القضاء الفرنسي أن الاختصاص الدولي هو اختصاص ترابي و يقدم عديد الحجج و منها : 1- أولا نقد الحجة الرئيسية للموقف السابق بالقول أن قواعد الاختصاص الحكمي لا تقوم بتوزيع الاختصاص بين الأنظمة القانونية المختلفة لأن هته الأنظمة لا تخضع لسلطة واحدة و ليس هناك مشرع دولي له تلك الصلاحية. 2- ثانيا أنه بالتدقيق في أغلب المعايير المعتمدة لإسناد الاختصاص الدولي نجدها معايير جغرافية ترابية ، من مقر المطلوب و أحيانا الطالب إلى مكان حدوث الفعل المنشأ للضرر إلى مكان وجود العقار أو المنقول إلى مكان تحقق الضرر... 3- أن المعايير المعتمدة على المستوى الداخلي كطبيعة النزاع و مقدار الدين غير معتمدة على مستوى الاختصاص الدولي. • إلى جانب هذين الموقفين يمكن طرح موقف ثالث يرى أن مسألة الاختصاص الدولي لها طبيعة خاصة لا نظير لها في قواعد الاختصاص الداخلي ، لأن لها منطقها الخاص أين لا يملك المشرع سلطة توزيع الاختصاص و يكتفي بإصدار قواعد أحادية تهتم بتحديد مجال اختصاص القاضي الوطني لا أكثر مما ينفي عنها وصف الاختصاص الحكمي . من جهة أخرى فإن قواعد الاختصاص الترابي لا تعنى إلا بمصلحة الأطراف في حين أن قواعد الاختصاص الدولي تتعلق في حالات كثيرة بالنظام العام مثلما هو الحال عندما يتعلق الأمر بنزاعات الجنسية أو العقارات الموجودة على التراب التونسي . على كل حال فإنه مهما كانت الإجابة عن هته الأسئلة التي تؤثر على المواقف القضائية المتهربة من تطبيق أحكام مجلة القانون الدولي الخاص من خلال الصمت فإنه من الملاحظ أن اعتماد الجنسية كسند للاختصاص لم يكن دوما ضمنيا و مقنعا بل كان في عديد الحالات صريحا معلنا. 2- الاعتماد الصريح على الجنسية كمعيار للاختصاص- نماذج من فقه القضاء-: 1- يمثل الحكم الابتدائي الصادر عن المحكمة الابتدائية بتونس بتاريخ 24 جوان 2003 تحت عــــ44319ــدد نموذجا لهته الصورة ، و تتمثل وقائعه في قيام تونسي مقيم بفرنسا برفع دعوى طلاق ضد زوجته الفرنسية المقيمة أيضا بفرنسا و التي حضرت عند استدعاءها أمام المحكمة التونسية و تمسكت بعدم اختصاص المحاكم التونسية قبل الخوض في الأصل. و رغم وضوح الحل التشريعي خصوصا مع تمسك الزوجة بعدم الاختصاص و الدفع بذلك قبل الخوض في الأصل ، فإن المحكمة التونسية أقرت باختصاصها و إن وجدت نفسها مضطرة هذه المرة للتصريح حيث لم يعد ممكنا التلميح و أقرت أنها مختصة بالنظر كلما تعلق الأمر بدعوى مرفوعة من تونسي بغض النظر عن المقر. 2- و ليست محكمة تونس الابتدائية هي الوحيدة التي صرحت علنا باعتمادها الجنسية التونسية كسند للاختصاص ، بل إن محكمة التعقيب وهي الأعلى في الهرم القضائي تعلن صراحة في قرار صادر بتاريخ 14 فيفري 2002 تحت عــ12295ـــدد أنه "... يخلص من كل ذلك أن المعقبة هي تونسية الجنسية و تنطبق عليها مجلة المرافعات المدنية و التجارية و ليس الفصل 6 من مجلة القانون الدولي الخاص باعتباره يتعلق بالنزاع الواقع بين الأشخاص غير التونسيين و الأجانب أما النزاع المتعلق بين التونسيين فهو خاضع لمجلة المرافعات المدنية و التجارية سواء كان البعض منهم مقيما بتونس أو خارجها ....". و الحقيقة أن أقل ما يقال في هذا التعليل الوارد بالقرار هو أنه تعليل غريب و ممعن في تجاهل النص القانوني فلا أثر بالفصل 6 م ق د خ لما ذكره القرار من أنه ينطبق فقط على غير التونسيين ، هذا إضافة إلى وضوح أحكام مجلة القانون الدولي الخاص في عدم اعتماد الجنسية لا لمنح الاختصاص و لا لمنعه أي أن الجنسية محايدة تماما في مسألة الاختصاص . 3- و في قرار صادر عن محكمة الاستئناف بتونس بتاريخ 7 أفريل 2004 تحت عـــ216ـدد نجد ما يلي "بشأن دفع الزوجة بعدم اختصاص المحاكم التونسية بالنظر في دعوى الطلاق بناء على إقامتها بفرنسا ، فقد اتضح بالإطلاع على الفصل 39 من مجلة القانون الدولي الخاص أنه في مادة الأحوال الشخصية و إذا كان المعني بالأمر حاملا للجنسية التونسية و حتى في صورة تمتعه بجنسيات أخرى فإن القانون التونسي هو المنطبق. مسألة القانون الواجب تطبيقه مرتبطة بالنظام العام مما يتجه معه رد دفع المطلوبة الرامي إلى وجوب مقاضاتها بمقر إقامتها". هنا أيضا نجد رغبة محمومة من فقه القضاء في إقرار الاختصاص وهو ما أدى إلى خلط غير مقبول بالمرة ، فالمحكمة تتعلل بالفصل 39 م ق د خ لتبرير استبعادها للدفع بعدم الاختصاص و الحال أن الفصل 39 م ق د خ لا علاقة له من قريب أو من بعيد بالاختصاص فهو يتعلق بتحديد القانون المنطق في مادة الطلاق و لا يجوز أصلا طرح التساؤل عن القانون المنطبق إلا بعد الفصل في مسألة الاختصاص التي تنظمها الفصول من 3 إلى 10 م ق د خ. 4-قرار عـــ36946ـــدد صادر عن محكمة الاستئناف بتونس بتاريخ 04 نوفمبر 2006 و فيه "طالما ثبت أن العلاقة القانونية قائمة بين زوجين تونسيي الجنسية أبرما عقد زواجهما بتونس و أنجبا طفلا تونسي الجنسية فإن مجرد إقامتهما ببلاد أجنبية لا يمكن أن يكسي النزاع صبغة دولية ضرورة أن معيار الدولية يتوفر عند وجود عنصر أجنبي أما في غياب العنصر الأجنبي مثلما هو الشأن في قضية الحال فإنه لا مجال لانطباق أحكام القانون الدولي الخاص كما لا علاقة للنزاع الحالي بمسألة الاختصاص الدولي للمحاكم التونسية الأمر الذي يجعل الحكم المنتقد القاضي برفض دعوى الطلاق المرفوعة من الزوجة لعدم الاختصاص باعتبار الزوج المطلوب يقيم خارج البلاد التونسية مجانبا للصواب و يتجه نقضه". واضح في هذا القرار أن جنسية الطرفين التي انطلقت منها المحكمة هي الأساس في نظرها و أن استبعاد الطابع الدولي للنزاع رغم تأكده هو ذريعة ليس إلا لمنح الاختصاص للمحاكم التونسية وهو لذلك قرار مقنع يرتقي لمثابة الإعلان عن اعتماد معيار الجنسية ليس فقط لفرض الاختصاص بل لتجاهل دور المعايير الأخرى و كأن توفر الجنسية التونسية يمنع إعطاء قيمة للمعايير الأخرى.

توضح هذه القرارات و غيرها مسألة هامة وهي أن فقه القضاء التونسي لما وجد نفسه بين ضرورتين إحداهما وضوح النص القانوني الرافض لتأثير الجنسية على الاختصاص و ثانيتهما ضرورة الفصل في قضايا الطلاق نظرا لأهمية الحالة الشخصية و لخطورتها ، اضطر في حالات عديدة إلى التصريح بخرقه للقانون و أورد حيثيات لا تصمد أما أي تحليل بسيط و تدلل على خطورة وجود نص غير مقنع خصوصا إذا تعلق بمواد حساسة و تدعو المشرع إلى معالجة الخلل الظاهر في قواعد الاختصاص الواردة بمجلة القانون الدولي الخاص . لكن و إلى أن يتحقق تدخل المشرع – إن تحقق- فإن في القانون نفسه بمعناه الواسع من حيث المبادئ العامة و الحقوق الأساسية إضافة إلى بعض النصوص القانونية الأخرى ، حلولا تمكن من التوفيق بين ضرورة احترام القانون و ضرورة عدم الإضرار بمصالح المتقاضين

الفرع الثاني : الاجتهاد المؤسس على التوفيق بين احترام النص و ضمان حقوق المتقاضين. مقابل التعامل "غير القانوني " الذي انتهجه جزء من فقه القضاء غير القابل لأحكام الاختصاص الواردة بمجلة القانون الدولي الخاص في الحالات المتعلقة أساسا بنزاعات العائلة و المتمثل في تجاهل أحكام تلك المجلة صراحة أو ضمنا، سعى جزء آخر من فقه القضاء إلى التعامل مع الإشكال تعاملا أكثر حرفية و غير صادم للقانون من خلال البحث عن حلول "قانونية" تجعل قبول الاختصاص مبررا . و بالعودة للقرارات المعلومة من فقه القضاء نجده قد اعتمد منهجين قانونيين لتكريس الحل القابل للاختصاص و هما : 1- الاعتماد على بعض الاتفاقات الدولية المبرمة بين تونس و بعض البلدان في إطار التعاون القضائي و 2- العودة للمبادئ العامة للقانون من خلال تكريس ما سمي من قبل الفقه بمعيار الضرورة. 1- تكريس الاختصاص المؤسس على اتفاقيات التعاون القضائي : أبرمت البلاد التونسية عددا كبيرا من اتفاقيات التعاون القضائي في المادة المدنية و التجارية سواء كانت ثنائية أو متعددة الأطراف و تتعلق هذه الاتفاقيات بإجراءات التعاون القضائي كتبليغ الوثائق القضائية و غير القضائية و تنفيذ الأحكام . و في إطار الاعتراف بالأحكام و تنفيذها نجد الفصل 15 من الاتفاقية التونسية الفرنسية ينص على أنه "الأحكام التي تصدرها المحاكم في البلاد التونسية أو في البلاد الفرنسية في المادة المدنية و التجارية بموجب سلطاتها القضائية و الولائية يعترف بها وجوبا بتراب الدولة الأخرى إذا توفرت فيها الشروط الآتية : أ‌- أن يكون الحكم صادرا عن هيئة قضائية مختصة طبقا للفصل 16 من هاته الاتفاقية ب‌- ... ت ...". فيما يورد الفصل 16 الصور التي تكون بها السلطة التي أصدرت الحكم مختصة وفق الفصل المتقدم و من هذه الصور العديدة نجد الصورة التالية "...إذا كان للطالب في صورة قضية في الطلاق أو في بطلان الزواج جنسية الدولة التي صدر بها الحكم و كان يقيم عادة فوق تراب تلك الدولة منذ عام على الأقل من تاريخ القيام بالدعوى". و لعل قراءة هذه الصورة من صور الاختصاص الواردة بالفصل 16 تجعل من المقبول إسناد الاختصاص إلى المحاكم التونسية للنظر في دعوى الطلاق المرفوعة من تونسي مقيم بالبلاد التونسية ضد قرينه المقيم خارج البلاد التونسية مثلما ذهب إلى ذلك القرار التعقيبي عدد 6238/2004 الصادر بتاريخ 23-12-2004 و فيه : " حيث أن الفصل 16 من الاتفاقية المذكورة و لئن ورد في باب الاعتراف بالأحكام الأجنبية و تنفيذها إلا أنه تعلق بتعريف المحكمة المختصة التي يكون حكمها قابلا للإكساء بالصيغة التنفيذية في الدولة الأخرى ، و حدد بذلك اختصاص المحاكم ، و قد عرف صراحة المحكمة المختصة و المعترف باختصاصها قانونا بموجب الاتفاقية فنص على ما يلي حرفيا :"تكون السلطة القضائية بالدولة التي صدر بها الحكم مختصة على معنى الفصل المتقدم في الصورة التالية أ..ب...ج...د..و كذلك إذا كان للطالب في صورة قضية في الطلاق أو في بطلان الزواج جنسية الدولة التي صدر بها الحكم و كان يقيم عادة فوق تراب تلك الدولة منذ عام على القل من تاريخ القيام بالدعوى". و حيث أثبت الطاعن أنه مقيم بتونس من الثمانينات....وهو يحمل الجنسية التونسية .." . و قد جاء هذا القرار التعقيبي إقرارا للحكم الاستئنافي عدد 6494 الصادر عن محكمة الاستئناف بتونس بتاريخ 23 جوان 2004 و القاضي بإيقاع الطلاق بعد التصريح بالاختصاص المؤسس على الفصل 16 من الاتفاقية التونسية الفرنسية و من حيثيات المحكمة جوابا على الدفع بعدم الاختصاص المقدم من المستأنفة قول المحكمة : " و حيث يفهم من الفصل المذكور أنه و لئن ورد في باب الاعتراف بالأحكام و تنفيذها مما يعني أنه يتعلق بالاختصاص الدولي غير المباشر لمحاكم الدولتين المتعاقدتين ، فإن نية المشرعين التونسي و الفرنسي قد اتجهت عند المصادقة على الاتفاقية على منح محاكم الدولتين الاختصاص بالنظر في دعوى الطلاق بتوفر شرطي تمتع المدعي بجنسية دولة المحكمة المتعهدة بالقضية و إقامته العادية بتراب تلك الدولة منذ عام على الأقل . وهو ما يعني إضافة معيار اختصاص مشترك للنظر في النزاعات المتعلقة بطلب إيقاع الطلاق بين طرفين ينتميان للدولتين المتعاقدتين. و يضفي على الحكم الصادر فيها الفعالية في الدولتين المتعاقدتين. و حيث أن ما يؤكد هذا التأويل الصيغة التي ورد بها الفصل 16 من الاتفاقية المذكورة باعتبار أنه تعرض لأغلب الدعاوى الممكن القيام بها كما لو تعلق الأمر بتحديد قواعد الاختصاص مما يدل على أن الفصل المذكور تجاوز مجرد تحديد الاختصاص الدولي غير المباشر لمحاكم الدولتين المتعاقدتين و إلا كان من الأجدى الاكتفاء باشتراط أن يكون الحكم المراد الاعتراف به صادرا عن هيئة قضائية مختصة وهو ما يعني في النظرية العامة للقانون الدولي الخاص في باب الاعتراف بالأحكام الأجنبية ، أن لا تكون محكمة الاكساء أو الاعتراف مختصة اختصاصا مطلقا بالنظر في موضوع الحكم المعروض أمامها للإكساء وفق قواعد الاختصاص المحددة في البلد الذي ينتمي إليه. Batiffol et Lagarde : « droit international privé » tome 2 LGDJ n 718 et s. بل إن تعمد الطرفان المتعاقدان التوسع في تحديد المحكمة المختصة بالفصلين 16 و 17 من الاتفاقية يعني تجاوز قواعد الاختصاص الدولي لمحاكم البلدين كما تحددها قوانينها الوطنية و ذلك بإضافة معايير اختصاص أخرى أو إلغاء بعضها و ذلك في النزاعات التي تنشا بين رعاياهما. و حيث أن ما يدعم هذا الموقف كون الحكم المطعون فيه قابل للاعتراف و الاكساء من المحاكم الفرنسية عملا بنفس الفصل من الاتفاقية وهو ما يضفي عليه الفعالية الدولية اللازمة للأحكام المتصفة بالأجنبية وهو أمر لم يغب عن ذهن المحكمة في قضية الحال. و حيث يتجه تبعا لذلك عدم الالتفات إلى المعيار العام الوارد بالفصل 3 مجلة القانون الدولي الخاص و المتعلق بإقامة المطلوب" . بمطالعة القرارين الاستئنافي و التعقيبي يتضح أن التحليل القانوني المميز لهذه القضية ورد أساس بحيثيات القرار الاستئنافي و أن القرار التعقيبي اقتصر على مجاراة القرار الاستئنافي دون أن يضيف جديدا بل دون أن يفصل أساس موقفه مثلما نجد ذلك في القرار الاستئنافي بما يجعله أحرى بالتعليق. و بتتبع التحليل المعتمد من المحكمة نجده قد بني بالشكل التالي : أ‌- أولا انطلقت المحكمة من الإقرار أن الفصل 16 من الاتفاقية قد ورد في إطار الاختصاص الدولي غير المباشر للمحاكم التونسيين وهو إقرار ضمني أنه من حيث المبدأ لا يشمل الاختصاص الدولي المباشر للمحاكم التونسية. و هنا يبدو من الضروري التذكير بالتفرقة بين الاختصاص الدولي المباشر و الاختصاص الدولي غير المباشر للمحاكم التونسية ، ذلك أنه إذا كان الاختصاص المباشر هو اختصاص المحاكم التونسية للفصل في النزاعات ذات الطابع الدولي التي تعرض أمامها و التي تقوم بالبت فيها و إصدار حكم في شأنها ، فإن الاختصاص غير المباشر هو اختصاص المحاكم الأجنبية الذي تنظر فيه المحاكم التونسية بمناسبة النظر في إكساء حكم صادر عن تلك المحاكم الأجنبية بالصيغة التنفيذية تطبيقا للفصل 11 و ما بعده من مجلة القانون الدولي الخاص أي أن القاضي التونسي يتثبت من الناحية الإجرائية و قبل اكساء الحكم الأجنبي بالصيغة التنفيذية من أن الهيئة القضائية التي أصدرته هي مختصة بذلك. و يميز الأستاذ سامي البسطانجي بين صنفي الاختصاص بالقول أن أحد أوجه الاختلاف الرئيسية بينهما هو في غاية كل منهما ، فإذا كانت غاية الاختصاص المباشر هي تأسيس اختصاص القاضي الوطني و تقريره انطلاقا من المعايير التقليدية الثلاثة المتمثلة في سيادة الدولة و حسن سير مرفق القضاء و رفاهة الأطراف ، فإن غاية الاختصاص غير المباشر هي غاية رقابية من خلال التثبت في شرعية الأحكام الأجنبية المطلوب اكساءها بالصيغة التنفيذية . و من الواضح أن اتفاقات التعاون القضائي بين الدول تأتي في إطار الاختصاص غير المباشر بالمعنى السابق حيث أن هذه الاتفاقات تحدد للقاضي الوطني في دولتي الاتفاق الحالات التي يكون فيها قاضي الدولة الأخرى مختصا بمعنى آخر أن هاته الاتفاقات تأتي لتحل الإشكال الذي قد يعترض القاضي في الإجابة عن السؤال المتعلق بمعرفة هل أن القاضي الأجنبي الذي أصدر الحكم المطلوب اكساؤه بالصيغة التنفيذية هو مختص أم لا ؟ هذا إذا ما ذكرت به محكمة الاستئناف بتونس ، فكيف تسنى لها إذا أن تعلل اعتمادها للفصل 16 كسند للاختصاص المباشر؟ ب‌- و هذه هي المرحلة الثانية في تمشي محكمة الاستئناف القانوني : حيث ترى أن التمعن في النص يؤدي إلى الاستنتاج أن نية الدولتين عند إبرام الاتفاقية هو تجاوز مجرد الاتفاق على حالات الاختصاص غير المباشر ليصل إلى إضافة معيار اختصاص مشترك للنظر في النزاعات المتعلقة بطلب إيقاع الطلاق بين طرفين ينتميان للدولتين المتعاقدتين. و تستدل المحكمة على ما توصلت إليه بالحجج التالية : • تعرض الفصل المذكور لأغلب الدعاوى الممكن القيام بها كما لو تعلق الأمر بتحديد قواعد الاختصاص . • لو أراد الطرفان المتعاقدان في الفصل المذكور مجرد تحديد الاختصاص الدولي غير المباشر لمحاكمهما لكان من الأجدى الاكتفاء باشتراط أن يكون الحكم المراد الاعتراف به صادرا عن هيئة قضائية مختصة وهو ما يتلاءم مع النظرية العامة للاعتراف بالأحكام الأجنبية بان لا تكون محكمة الاكساء مختصة اختصاصا مطلقا بالنظر في النزاع موضوع الحكم الأجنبي. • أن تعمد الطرفين المتعاقدين التوسع في تحديد المحكمة المختصة بالفصلين 16 و 17 من الاتفاقية يعني تجاوز قواعد الاختصاص الدولي لمحاكم البلدين كما تحددها قوانينها الوطنية و ذلك بإضافة معايير اختصاص أخرى أو إلغاء بعضها و ذلك في النزاعات التي تنشا بين رعاياهما. • ما يدعم هذا الموقف كون الحكم الصادر على أساس قبول الاختصاص المبني على الفصل 16 قابل للاعتراف و الاكساء من المحاكم الفرنسية عملا بنفس الفصل من الاتفاقية وهو ما يضفي عليه الفعالية الدولية اللازمة للأحكام المتصفة بالأجنبية. و في الحقيقة فإن مسألة العلاقة بين الاختصاص غير المباشر و الاختصاص المباشر تستدعي الدراسة المتأنية و الدقيقة سواء من حيث القيمة النظرية للتفرقة أو من حيث آثارها العملية و بالأخص من المهم الإجابة عن السؤال التالي: ما الذي يمنع أن تكون قواعد الاختصاص غير المباشر أساسا للاختصاص المباشر؟ و بشكل أقل حدة : كيف السبيل إلى أن لا يكون وجها الاختصاص الدولي متنافرين و الحال أنهما يعبران عن قواعد تم إقرارها من نفس الدولة في ميدان الاختصاص الدولي؟ مثلا إذا أخذنا حكما صادرا في نزاع طلاق تؤسس فيه محكمة تونسية اختصاصها على الجنسية التونسية للقائم بالدعوى ، فإن الغريب أن هذا الحكم يعد مخالفا لمجلة القانون الدولي الخاص فيما يمنح الاكساء بالصيغة التنفيذية لو عرض على القضاء الفرنسي؟؟ كما أنه من الغريب أنه عندما يحدث نزاع متعلق بالطلاق بين زوجين أحدهما تونسي مقيم بتونس و الثاني فرنسي مقيم بفرنسا فإن الطرف الفرنسي له رفع دعواه أمام المحاكم الفرنسية وهو الحكم الذي يتم الاعتراف به في تونس عملا بالاتفاقية فيما لا يحق للتونسي أن يرفع دعواه أمام المحاكم التونسية ؟ ثم تساؤل آخر يطرح نفسه : إذا كان القانون التونسي غير مقتنع باعتماد معيار الجنسية لإسناد الاختصاص للمحاكم و لا يقبل اعتماده في مجلة القانون الدولي الخاص فكيف يقبل اعتماده في الاتفاقيات التي يبرمها مع دول أخرى؟ و إذا أعملنا مجلة القانون الدولي الخاص و رفضت المحاكم التصريح باختصاصها على أساس الجنسية فما هي الأحكام التونسية التي ستطبق عليها الاتفاقية عند النظر في اكساءها بالصيغة التنفيذية أمام المحاكم الفرنسية ؟ هل وضعت الاتفاقية فقط لإكساء الأحكام الفرنسية بالصيغة التنفيذية ؟ ثم ما العمل مع نصوص أخرى واردة في اتفاقيات قضائية مجرد قراءتها تدل على تعلقها بقواعد الاختصاص المباشر مثل الفصل 25 من الاتفاقية التونسية المصرية و فيه أنه "تعتبر محاكم الدولة التي يكون الشخص من مواطنيها وقت تقديم الطلب مختصة في مواد الأحول الشخصية و الأهلية إذا كان النزاع المطروح عليها يدور حول أهلية هذا الشخص أو حالته الشخصية" و كون المقصود هو الاختصاص المباشر جلية من أن المعيار معتمد "وقت تقديم الطلب" أي وقت رفع الدعوى بما يعني أنه حصرا اختصاص مباشر ، و نفس الأمر يقال أيضا على الفصل 24 من الاتفاقية التونسية الكويتية.

و بالإضافة إلى اعتماد الاتفاقيات القضائية كسند لمنح الاختصاص للمحاكم التونسية ، اتجه جزء من فقه القضاء إلى اعتماد ضابط جديد للاختصاص سماه الفقه "معيار الضرورة".

2- تكريس الاختصاص المؤسس على معيار الضرورة –خطر نكران العدالة- : في حكم صادر عن المحكمة الابتدائية بمنوبة تحت عـ34ــدد بتاريخ 13 جانفي 2004 تمثلت وقائعه في قيام علاقة زوجية بين المدعي و المدعى عليها و هما تونسيان و مع تردي العلاقة و بعد فترة من مغادرة الزوجة محل الزوجية لتستقر بفرنسا طلب الزوج الطلاق على معنى الفقرة الثالثة من الفصل 31 من م أ ش . و بعد قيام الزوج باستدعاء زوجته على آخر عنوان معروف لها بتونس نظرا لأنه يجهل عنوانها بفرنسا ، و مع عدم حضورها نظرت المحكمة من تلقاء نفسها في مسألة اختصاصها و أوردت في حيثياتها ما يلي : "حيث علق الفصلان 3 و 4 م ق د خ اختصاص المحاكم التونسية بالنظر في دعاوى الطلاق على وجود مقر إقامة المطلوب بتونس أو قبوله لاختصاص المحاكم التونسية. حيث أن غياب سندي الاختصاص المذكورين لا يمنع المحاكم التونسية من النظر استثنائيا في دعوى الطلاق إذا ثبت لها أن الحكم بعدم الاختصاص من شأنه أن يهدد بصفة جد خطيرة حق المدعي في اللجوء إلى القضاء. حيث أن إعلان عدم اختصاص المحاكم التونسية و إحالة المدعي تبعا لذلك لمقاضاة زوجته أمام محاكم مكان إقامتها بالخارج من شأنه أن يجعله عرضة لمصاعب جمة ناجمة عن حواجز قانونية تعوق حريته في التنقل إلى جانب ما يستوجبه التقاضي بالخارج من تكاليف يعجز عليها المدعي بالنظر إلى حالته العامة. حيث يتجه مراعاة لهذه الاعتبارات النظر في الدعوى بغض النظر عن عدم توفر إقامة المطلوبة بتونس و عدم قبولها لاختصاص المحاكم التونسية و ذلك بعد أن قام المدعي باستدعائها بآخر مقر لها بتونس في مرتين و تم تسلم الاستدعاء من طرف أحد قريباتها" . و بغض النظر عن الملاحظات المتعلقة بمسألة عدم بلوغ الاستدعاء للمطلوبة و للتكييف الدولي للنزاع موضوع القضية و هما الأمران اللذان قد يستحقان النقاش فإن ميزة هذا الحكم هو أنه أول قرار قضائي معلوم يكرس حالة جديدة للاختصاص تقوم على فكرة تلافي إنكار العدالة . و قد احتاطت بعض التشريعات لمثل هته الحالات لتشمل لا فقط خطر عدم وجود محكمة تختص بالنزاع بل أيضا خطر تكبد المدعي مشاق كبيرة مثل الفصول 47 و 60 و 67 و 76 من القانون السويسري وهو الموقف الذي اعتمده أيضا فقه القضاء الفرنسي ، فيما سكتت مجلة القانون الدولي الخاص عن هته الإمكانية و يرى الأستاذ علي المزغني أن ذلك لا يمنع من اعتماد الاختصاص المؤسس على نكران العدالة ما دام الأمر يتعلق بحق من حقوق الإنسان ألا وهو حق التقاضي . و بالعودة لقرار محكمة منوبة السابق يتضح أن المحكمة انطلقت من الإقرار بان المبدأ هو إعمال مجلة القانون الدولي الخاص أي الفصلين 3 و 4 منها و هما الفصلان اللذان لا يمنحانها الاختصاص و أن تلك النتيجة السليمة قانونا و التي لم تحاول المحكمة تجاهلها أو الالتفاف حولها تؤدي إلى المساس بشكل جدي بحق المدعي في التقاضي لأن إحالته إلى التقاضي بمقر المطلوبة أي بالخارج يساوي –على المستوى العملي- حرمانه من التقاضي إذ تعترضه عوائق قانونية كالحصول على التأشيرة – وهو أمر لم يعد سهلا إطلاقا- و عوائق مادية كتكاليف الإقامة و تكاليف التقاضي التي هي فوق قدرة أغلب المواطنين التونسيين ، هذا أصلا إذا تجاوزنا المشكلة اللغوية التي تستلزم التعامل بلغة أجنبية لا يمكن افتراض أن كل الناس يتقنونها. طرح القرار إذن هذا التقابل بين نص المجلة الرافض للاختصاص من جهة و طبيعة الواقع المسبب لعوائق تهدد حقا دستوريا و أساسيا أصبح مكرسا على المستوى الدولي هو حق التقاضي و الذي يشمل تمكين كل فرد من طرح نزاعه على القضاء و إعطائه إمكانية لتنظيم دفاعه بوجه يضمن حقوقه و منحه إعانة عدلية كلما كان في حاجة إلى ذلك و المؤدي بالتالي إلى وجوبية الاختصاص من جهة أخرى. و قد تخلصت المحكمة من هذا التعارض بالحفاظ على أحكام المجلة المانعة للاختصاص كمبدأ و فتح باب استثنائي لاختصاص – و الاستثناء يؤكد المبدأ و لا ينفيه- مشروط بتوفر الضرورة و لذلك أطلق الفقه على هذه الصورة من صور الاختصاص الدولي للمحاكم التونسية بالة محكمة الضرورة. و بقراءة حيثيات الحكم يمكن استنتاج أن الضرورة التي تؤسس الاختصاص يجب أن تقوم على توفر شرطين هما : 1- غياب سند تشريعي مؤسس للاختصاص الدولي للمحاكم التونسية. 2- استحالة رفع الدعوى أمام محاكم أجنبية مما يترتب عنه وجود خطر جدي يهدد حق المدعي في اللجوء للمحاكم و يسبب إهداره. و يرى الفقه أن في هذا الحل الكثير من المرونة و النجاعة التي تستدعي تدعيمه من الناحية المبدئية مع مزيد التحري في شروط إعماله حتى لا يتحول إلى باب يستعمل للتخلي عن اختيارات المشرع في مادة القانون الدولي الخاص ، و من المحاذير التي دعا الفقه إلى الانتباه لها: • أخذ التحريات من الناحية الإجرائية في خصوص استدعاء المدعى عليه حتى تحفظ له حقوقه في الدفاع عن مصالحه خصوصا و أنه في مادة الأحوال الشخصية بالذات و بالأخص في مادة الطلاق فالمشرع التونسي يطالب قاضي الأسرة ببذل العناية اللازمة للتوصل إلى مقر المدعى عليه. • التأكيد على الطابع الاحتياطي لضابط الضرورة فإذا كان مثلا آخر مقر معلوم للمطلوب موجود بتونس فلا داعي للجوء إلى ضابط الضرورة إذ يتعين إسناد الاختصاص على أساس وجود آخر مقر معلوم للمدعى عليه بتونس ، كما يجب الاستغناء عن ضابط الضرورة إذا كان النزاع يتسم بالتأكد و ليس فيه مساس بالأصل لأنه عندئذ يدخل تحت طائلة القضاء الاستعجالي وهو ما يبين الفرق بين حالة الضرورة التي تقوم على الاستحالة و القضاء الاستعجالي الذي يقوم على التأكد. • التشبث بالطابع الاستثنائي لضابط الضرورة فلا ضرورة دون استحالة سواء كانت هذه الاستحالة قانونية كأن لا تقبل أي محكمة أجنبية التكفل بالدعوى مثل أن تكون جنسية الزوج سعودية و الحال أن السعودية لا تسمح للزوجة بطلب الطلاق ، أو كانت الاستحالة واقعية كوجود قوة قاهرة تمنعه من السفر مثل نشوب حرب أو إصابته بمرض مقعد أو عدم قدرته على تكبد مصاريف التنقل وهو أمر يقدره القاضي حسب ظروف كل نزاع و ليس بصورة نمطية. • أن لا يكون الحل مقتصرا على التونسيين بل أن يصاغ في عبارات عامة مثلما فعلت محكمة منوبة بقولها " يهدد حق المدعي في اللجوء للقضاء" حتى لا يتحول الأمر لمطية تكرس امتيازا للتونسيين مرة أخرى. • أن يكون الحكم الصادر وفقا لمعيار الضرورة قابلا للتنفيذ فوق تراب الجمهورية التونسية . و واضح من الشروط السابقة وجود خشية حقيقية لدى الفقه من هذا المعيار و من استعماله للتهرب من أحكام مجلة القانون الدولي الخاص خصوصا وهو يقدم حلا قانونيا لفقه قضاء تجرأ على المجلة حتى من خلال مخالفة صريحة للنص القانوني.

الخـــــاتـــمـــة

يطرح موضوع الاختصاص الممكن للمحاكم التونسية في مادة القانون الدولي الخاص ، إضافة إلى الجانب التقني المتمثل في معرفة المعايير المعتمدة لتحديد الاختصاص ، إشكالا رئيسيا يتمثل في أنه في صورة انفصال نص قانوني عن ضرورات الواقع و تعقيداته و سعيه لفرض رؤية ما بقوة القانون يحصر القضاء بين خيارين أحلاهما مر ، فإما الالتزام بنص القانون الواضح و تجاهل ما ينتجه ذلك من مشاكل و أحيانا من مآس للمتقاضين و إما الخروج عنه و تجاهله وهو أمر لا يستسيغه رجل القانون بغض النظر عن موقفه من النص القانوني ، و يبقى المهرب في البحث عن حل خلاق يلاءم بين النص مع قسوته الكامنة في وضوحه و بين ضرورات حل مشكلات الواقع و عدم التضحية بها.

و في انتظار الحل المنطقي و البسيط لهذا الإشكال الحقيقي ، و الذي لا يكون إلا بتنقيح النص ليتلاءم مع طبيعة بعض النزاعات و أيضا ليتلاءم مع القوانين المقارنة التي كان التلاءم معها من مبررات وضعه ، فإن التطور الذي يشهده تعامل فقه القضاء يجعلنا نرجو أن تكون لقضاءنا نفس الجرأة عند النظر في النزاعات المتعلقة بحقوق أخرى للمتقاضين

المراجع باللغة العربيّة

I- المؤلفات العامة والخاصة: 1- محمد الشرفي و علي المزغني : أحكام الحقوق ، دار الجنوب للنشر ، تونس 1999. 3- محمد الشرفي : مدخل لدراسة القانون ، دار سراس للنشر و مركز الدراسات و البحوث بجامعة الحقوق و الاقتصاد و التصرف تونسIII ، 1991. 4- مبروك بنموسى : شرح المجلة التونسية للقانون الدولي الخاص ، المغاربية للطباعة و النشر و الاشهار ، نوفمبر 2003. 5- هشام صادق علي و حفيظة السيد حداد : القانون الدولي الخاص ، دار الفكر الجامعي الاسكندرية ، 1999. 6- لطفي الشاذلي-مالك الغزواني –عدنان لسود : مجلة القانون الدولي الخاص معلق عليها ، نشر مركز الدراسات القانونية و القضائية تونس 2008.

II- الرسائل والمذكّرات :

فريد العوادي ،الاختصاص الدولي للمحاكم التونسية من خلال أحكام مجلة القانون الدولي الخاص ، مذكرة ختم الدروس بالمعهد الأعلى للقضاء 2001-2002. III- الدراسات : 1- نورالدين قارة ، الاختصاص القضائي الدولي للمحاكم التونسية في المجلة التونسية للقانون الدولي الخاص ، ملتقى 12 مارس 1999 نظمه مركز الدراسات القانونية و القضائية تحت عنوان "المجلة التونسية للقانون الدولي الخاص". 2- حاتم قطران : الاختصاص الدولي للمحاكم التونسية ، دورة دراسية حول المجلة التونسية للقانون الدولي الخاص ، تنظيم مركز الدراسات القانونية و القضائية يومي 4 و 5 ماي 2001 ، منشورات مركز الدراسات القانونية و القضائية 2002 ، ص 11. 3- مالك الغزواني : صور اختصاص المحاكم التونسية بالنزاعات الدولية العائلية ، المجلة القانونية التونسية 2005 ، ص 229. 4- مالك الغزواني : من فقه القضاء حول الحقوق الأساسية، المجلة القانونية التونسية 2002 ، ص1. IV- تعاليق على فقه القضاء : 1- مالك الغزواني : تعليق على قرار تعقيبي مدني عدد 26333 مؤرخ في 04 ديسمبر 2008 ، القضاء و التشريع العدد 1 جانفي 2009 ، ص 131. 2- سامي البسطانجي : نحو إرساء معيار جديد للاختصاص الدولي للمحاكم التونسية : محكمة الضرورة ، تعليق على الحكم الصادر عن ابتدائية منوبة بتاريخ 13 جانفي 2004 ، الشغف بالقانون :مجموعة دراسات مهداة إلى الأستاذ محمد العربي هاشم ، ص 214

المراجع باللغة الفرنسية

I- Les ouvrages : 1- Mohamed El Arbi Hachem : Leçons de droit international privé , Livre I : Les regles materielles , CERP 1996. 1- Ali Mezghani : Commentaires du code de DIP, CPU 1999. 2- Ali Mezghani : Etats-nouveaux et relations privées internationales , CERP / CERES , 1991.

II- Les Mémoires : 1- Anissa Nefzi , La compétence internationale des tribunaux tunisiens en matiere contractuelle , memoire DEA droit des affaires , faculté des sciences juridiques politiques et sociales de Tunis , 2001-2002. 2- Nahla Tlili Waddey , la compétence internationale des tribunaux et la protection des droits categoriels : etude critique et comparative , memoire Master droit des affaires, faculté des sciences juridiques politiques et sociales de Tunis , 2003-2004. 3- Leila Guizani , Critére du domicile et compétence internationale des juridictions tunisiennes , memoire DEA, faculté des sciences juridiques politiques et sociales de Tunis , 1999-2000. 4- Imed Miladi , La compétence internationale des tribunaux tunisiens en matiere de statut personnel ( étude des chefs de compétence ) , memoire de Master , faculté des sciences juridiques politiques et sociales de Tunis , 2003-2004. 5- Yosr Ghribi , La prorogation volontaire du for tunisien , mémoire de Master en droit privé , faculté de droit et des sciences politiques de Tunis , 2005-2006. III-Articles : Malek Ghazouani , Nationalité et compétence judiciaire , colloque sur :le code tunisien de DIP deux ans après ,Tunis le 19 Avril 2001, centre de publication universitaire 2003.

IV- les commentaires de jurisprudence : 1- Souhayma Ben Achour : commentaire du jugement de première instance de Tunis , le 29 juin 1999 ; aff n: 26-855, RTD 2000 page 403. 2- Sami Bostangi : Brefs propos sur un traité maltraité (commentaire des décisions de la cour d’appel de Tunis du 23 juin 2004 et de la cour de cassation du 23 décembre 2004 ), RTD 2005 , page 337. 3- Malek Ghazouani : compétence internationale et divorce ; observations sous l’arret de la cour d’appel de tunis N 215 du 25 juin 2003 ; RTD 2003 , p 229. 4- Malek Ghazouani : De la compétence par la violence : le privilége de juridiction entre tunisiens ; observations sous l’arret de la cour de cassation N 12295 du 14 fevrier 2002 ; RTD 2003 , p 239.

الفهرس المقدمة .....................................................................................ص 1

الجزء الأول : المعايير التشريعية للاختصاص الممكن في مادة القانون الدولي الخاص ......................................................................ص 3 الفرع الأول : المعايير التشريعية العامة للاختصاص ................................ص 3

1- معيار مقر المطلوب ...........................................................ص 3 أ‌- مفهوم المقر ...............................................................ص 4 ب‌- تطبيقات معيار مقر المطلوب ............................................ص 6 أولا : مجال تطبيق قاعدة مقر المطلوب.................................ص 6 ثانيا : صورة تعدد المطلوبين .............................................ص 7 2- معيار إرادة الأطراف ..........................................................ص 8 أ‌- الاتفاق الصريح بين الأطراف........................................ص 10 ب‌- قبول الاختصاص من المطلوب .....................................ص 13 3- معيار الارتباط بقضية منشورة ...............................................ص 14 أ‌- مفهوم الارتباط بقضية منشورة ...........................................ص 15 ب‌- بعض صور الارتباط المؤسس للاختصاص .............................ص 15

الفرع الثاني : المعايير التشريعية الخاصة للاختصاص ............................ص 16

1- الاختصاص المؤسس على وجود عنصر ارتباط موضوعي بين النزاع و النظام القانوني التونسي ............................................ص 16 أ‌- نزاعات المسؤولية التقصيرية .............................................ص 17 ب‌- نزاعات المسؤولية العقدية ................................................ص 17 ت‌- النزاعات التعلقة بالمنقولات .............................................ص 20 ث‌- نزاعات الملكية الفكرية...................................................ص 21 ج‌- نزاعات التركات .........................................................ص 23 2- الاختصاص المؤسس على السعي لحماية الطرف الضعيف: معيار إقامة المدعي بتونس..................................................ص 25 أ‌- دعاوى البنوة و حماية القصر .........................................ص 25 ب‌- دعاوى النفقة ...........................................................ص 26

الجزء الثاني : المعايير الفقه قضائية للاختصاص الممكن في مادة القانون الدولي الخاص ........................................................ص 28

ورطة منى .............................................................................ص 28

الفرع الأول : الموقف المتجاهل لأحكام م ق د خ و المعتمد على الجنسية لإسناد الاختصاص ....................................................ص 32

1- اعتماد الجنسية كسند للاختصاص يشكل ضمني ...........................ص 32 2- الاعتماد الصريح على الجنسية كمعيار للاختصاص – نماذج من فقه القضاء- ..............................................................ص 36

الفرع الثاني : الاجتهاد المؤسس على التوفيق بين احترام النص و ضمان حقوق المتقاضين.....................................ص 38 1- تكريس الاختصاص مؤسس على اتفاقيات التعاون القضائي...............ص 38 2- تكريس الاختصاص المؤسس على معيار الضرورة –خطر نكران العدالة- ................................................................ص 43

الخاتمة .....................................................................ص 47

المراجع...............................................................................ص 48 الفهرس...............................................................................ص 52


الصفحة الاساسية | الاتصال | خريطة الموقع | | News Admin| الإحصاءات | زيارة: 876076

متابعة نشاط الموقع ar  متابعة نشاط الموقع عربي  متابعة نشاط الموقع محاضرات للزملاء   ?

Site réalisé par N@ros avec spip 2.0.3 + AHUNTSIC

Creative Commons License